في يوم واحد، شهدت شركة إنفيديا تراجعاً هائلاً في قيمتها السوقية بنحو 600 مليار دولار، مما أحدث بلبلة في الأسواق الأميركية وأعاد النقاش حول ما إذا كان السباق نحو الذكاء الاصطناعي يعتمد على المزيد من الرقائق أو على ذكاء التصميم نفسه، في بداية عام 2025، لم تكن وول ستريت تتوقع أن تنجم عن رسالة صينية غير مباشرة خسائر بمئات المليارات.

هذا ما حدث عندما برزت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة «ديب سيك»، لتظهر أن بناء نماذج قوية ليس بالضرورة مرتبطاً بإنفاق مبالغ ضخمة على الرقائق والبنية التحتية، قبل عام تقريباً، أطلقت «ديب سيك» نموذجها آر وان R1، الذي قدم أداءً مشابهاً لـ«تشات جي بي تي» بتكلفة أقل بكثير، حينها حاولت إنفيديا طمأنة المستثمرين بقولها إن تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة يتطلب أعداداً ضخمة من وحدات المعالجة الرسومية، رغم تراجع سهمها بنسبة 17% في يناير 2025، وفي يناير 2026، جاءت دراسة جديدة من الشركة الصينية لتضيف بُعداً علمياً لا يمكن تجاهله.

نشرت الشركة، التي تتخذ من هانغتشو مقراً لها، دراسة تقنية حول منهجية تدريب جديدة أطلقت عليها اسم «الترابطات الفائقة المقيدة هندسياً»، أو إم إتش سي mHC، اختبرت الدراسة نماذج تصل إلى 27 مليار مُعامِل، وأظهرت قدرة عالية على التوسع مع عبء حسابي شبه معدوم، مما يعني إمكانية بناء ذكاء اصطناعي قوي من دون الحاجة لشراء كميات ضخمة من رقائق إنفيديا كما تفعل شركات مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، وكانت النقطة الأكثر حساسية هي تأكيد «ديب سيك» استخدام رقائق H800 المتوافقة مع قيود التصدير الأميركية، مما أعاد فتح تساؤلات حول مدى فاعلية هذه القيود.

لم تتوقف التأثيرات عند السوق، فقد دفع إصدار الدراسة الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، سام ألتمان، إلى إعلان حالة «الإنذار الأحمر» داخل الشركة في يناير 2025، وهي خطوة تتخذ عادة عند ظهور تهديدات تنافسية كبرى، وأشار ألتمان لاحقاً إلى أن شركته تتوقع إطلاق مثل هذه الإنذارات مرة أو مرتين سنوياً، مما يدل على اشتداد المنافسة بين اللاعبين العالميين.

أجج بحث «ديب سيك» نقاشاً عميقاً داخل صناعة الذكاء الاصطناعي، إذ يرى رئيس «غوغل ديب مايند»، ديميس هاسابيس، أن الوصول إلى الذكاء العام الاصطناعي يتطلب دفع التوسع إلى أقصى حد، لكنه يعترف أيضاً بأن القطاع يحتاج إلى اختراقات نوعية تتجاوز مجرد زيادة القدرة الحاسوبية، بينما كتب سام ألتمان في مراجعة بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس «أوبن إيه آي» أن الوصول إلى الذكاء الفائق خلال عقد بات شبه مؤكد، لكنه يفترض استمرار الإنفاق الضخم على البنية التحتية.

يرى محللون أن ما قدمته «ديب سيك» يتجاوز كونه ورقة بحثية، حيث وصف وي سون، المحلل في «كاونتربوينت ريسيرش»، منهجية إم إتش سي بأنها اختراق لافت يسمح بتجاوز اختناقات الحوسبة، وفتح قفزات حقيقية في مستوى الذكاء، أما ليان جيه سو من «أومديا»، اعتبر أن نشر هذا النوع من الأبحاث الأساسية يعكس ثقة متزايدة في صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية وقدرتها على المنافسة عالمياً، ليس فقط تقنياً بل اقتصادياً أيضاً، وتتجه الأنظار الآن إلى النموذج الرئيسي المقبل لـ«ديب سيك»، الذي قد يحمل اسم R2 أو V4، والمتوقع الكشف عنه خلال احتفالات رأس السنة القمرية في فبراير، وهو تقليد تحافظ عليه الشركة بإطلاق ابتكارات كبرى خلال فترات الأعياد في الصين.