مع بداية عام 2026، يتضح أن الاقتصاد الأميركي يشهد تحولًا جديدًا بعد عام 2025، الذي كان بمثابة نقطة تحول في كيفية تعامل الدولة مع الأسواق. الرسوم الجمركية أصبحت جزءًا أساسيًا من الاقتصاد، حيث تحولت من مجرد إجراء دفاعي إلى أداة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل موقع الولايات المتحدة في عالم يتجه نحو تراجع العولمة وزيادة الصراعات الجيوسياسية.
الرسوم الجمركية: تكلفة عالية ونمو محدود
التحول في السياسة الاقتصادية يثير القلق، فالرسوم الجمركية تعتبر ضريبة غير مباشرة تؤثر سلبًا على الاقتصاد المحلي، إذ ترفع الأسعار وتقلل من الكفاءة الإنتاجية، ولا تُنتج نموًا حقيقيًا بل تعيد توزيع الدخل بشكل غير متوازن. التجارب السابقة تؤكد هذا الاتجاه، حيث أظهر صندوق النقد الدولي أن فرض رسوم جمركية على التجارة بين الولايات المتحدة والصين أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة للطرفين. ووفقًا لدراسة من جامعة هارفارد، فإن الرسوم المفروضة على الواردات الصينية انتقلت كليًا تقريبًا إلى أسعار الاستيراد في الولايات المتحدة، مما أجبر الشركات على تقليص هوامش أرباحها. أيضًا، وزارة الزراعة الأميركية قدرت أن الصادرات الأميركية تراجعت بنحو 27 مليار دولار نتيجة الرسوم المتبادلة بين عامي 2018 و2019، مما يوضح التكلفة الحقيقية للحمائية التجارية.

صمود الاقتصاد الأميركي: بين التضخم والطلب المحلي
لكن، رغم هذه التحديات، استطاع الاقتصاد الأميركي أن يظهر درجة من الصمود في عام 2025، حيث سجل نموًا قويًا بمعدل 4.3% في الربع الثالث، مدعومًا بزيادة في الإنفاق الاستهلاكي والصادرات والإنفاق الحكومي. لكن هذا النمو لم يكن ناتجًا عن تحسين الكفاءة أو توسع التجارة، بل جاء نتيجة الطلب المحلي والإنفاق الحكومي. التكلفة الحقيقية كانت أن التضخم أصبح أكثر تعقيدًا، حيث انتقل من تضخم الطلب إلى تضخم التكلفة، وهو نوع يصعب السيطرة عليه دون التأثير سلبًا على سوق العمل أو الاستثمار.
الذكاء الاصطناعي: تعويض أم محفّز للنمو؟
برز الذكاء الاصطناعي كعامل لتعويض الخسائر الاقتصادية أكثر من كونه محفزًا للنمو التقليدي. مع ارتفاع تكاليف العمالة، اتجهت الشركات الكبرى نحو الأتمتة والتقنيات الرقمية لتقليل الاعتماد على العمل البشري وسلاسل التوريد الخارجية. لذا، استثمار الشركات في الذكاء الاصطناعي لم يكن تعبيرًا عن ازدهار اقتصادي، بل استجابة ضرورية لبيئة تجارية أكثر تكلفة. سوق الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قُدّر بنحو 54.09 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو إلى 319.32 مليار دولار بحلول 2032 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 25.10%.
بحلول عام 2025، أصبحت الولايات المتحدة رائدة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي بفضل الابتكار المستمر واستثمار رأس المال المخاطر، حيث انتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى التطبيق الواسع في مختلف القطاعات مثل الرعاية الصحية والمالية والدفاع والطاقة. كما ساهمت السياسات الفيدرالية في دعم هذا التقدم من خلال تخفيف القيود الاستثمارية وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
الانقسامات الاقتصادية
لكن هذا التحول التكنولوجي زاد من الانقسامات الاقتصادية، حيث ظهرت شركات كبيرة تستطيع تحمل تكاليف التحول الرقمي، مقابل شركات صغيرة ومتوسطة تعاني من ضغوط ارتفاع التكاليف ونقص العمالة. في سوق العمل، تزامنت الأتمتة مع تقليل سياسات الهجرة وتسارع التقاعد، مما أدى إلى تباطؤ خلق الوظائف وزيادة البطالة بشكل نسبي، رغم استمرار النمو. هذا الانفصال بين الإنتاجية والتوظيف يثير تساؤلات حول نوعية النمو وقدرته على دعم الاستقرار الاجتماعي.

تحديات السياسة النقدية والمالية
أما الاحتياطي الفيدرالي، فقد وجد نفسه في موقف صعب بين خيارات محدودة، فالتضخم المدفوع بالتكلفة يقلل من فعالية التشديد النقدي، بينما التيسير المفرط قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط السعرية. السياسة النقدية أصبحت مترددة وحذرة في ظل ضغوط متزايدة على استقلالية البنك المركزي، مما يزيد من تعقيد التحديات الاقتصادية القائمة.
ومع اقتراب عام 2026، تركز الآمال على السياسة المالية كأداة رئيسية لتعويض الأثر السلبي، حيث يُفترض أن الحوافز الضريبية والإنفاق الاستثماري سيخففان العبء عن الأسر ويدعمان الاستثمار. لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، إذ إن توجيه الحوافز نحو الاستهلاك القصير الأجل قد يخفف الألم مؤقتًا دون معالجة اختلالات الإنتاجية التي نتجت عن الرسوم. بينما إذا تم استغلالها لتعزيز الابتكار والبنية التحتية، قد تتحول الصدمة التجارية إلى فرصة هيكلية.
الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
ظهرت عدة نظريات لتفسير استمرار قوة الاقتصاد الأميركي رغم حرب التعريفات الجمركية، أحدها تشير إلى أن الإنفاق القوي على الذكاء الاصطناعي هو السبب. لكن الزيادة الكبيرة في النفقات الرأسمالية لبناء مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد تخفي حقيقة مزعجة عن النمو الاقتصادي، حيث يعتقد بعض الاقتصاديين أن هذا الإنفاق كان كافيًا لتخفيف التأثيرات السلبية للرسوم الجمركية. بينما يشير آخرون إلى أن النمو الاقتصادي الأميركي سيكون أقل بكثير دون هذا الإنفاق.

نموذج نمو هش أم فرصة هيكلية؟
في النهاية، الاقتصاد الأميركي لا يواجه أزمة دورية عابرة، بل اختبار عميق لإعادة تعريف مفهوم النمو في عصر ما بعد العولمة. الرسوم الجمركية، رغم تكلفتها الاقتصادية، أصبحت أداة سياسية يصعب التخلي عنها، بينما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمنقذ لتعويض خسائر الكفاءة. السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا المسار سيؤدي إلى نموذج نمو مستدام وشامل، أم مجرد توازن هش يعتمد على الابتكار التعويضي والحمائية المستمرة.

