كما هو الحال في كل مرة تظهر فيها تكنولوجيا جديدة، نشهد الآن تحولًا كبيرًا في عالم الذكاء الاصطناعي، حيث لا يقتصر تأثيره على تغيير المنتجات والأسواق فحسب، بل يساهم أيضًا في ظهور أثرياء جدد بسرعة غير مسبوقة. بجانب شخصيات معروفة مثل جنسن هوانغ من “إنفيديا” وسام ألتمان من “أوبن إيه آي”، انضم مؤسسو شركات ناشئة جديدة إلى نادي المليارديرات، وذلك بفضل الارتفاع الكبير في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، كما ذكرت نيويورك تايمز في ديسمبر 2025.

تذكرنا هذه القفزات السريعة في الثروات بما حدث خلال فقاعة “الدوت كوم” في أواخر التسعينيات، حيث تحولت التقييمات المرتفعة إلى ثروات هائلة قبل أن تتعرض لتصحيح حاد. وقد حذرت تحليلات من هارفارد بيزنس ريفيو من هذا التشابه عند مقارنة الطفرات التكنولوجية عبر الزمن.

ثروات تُصنع من التقييمات

من أبرز الأسماء الجديدة في هذا المجال ألكسندر وانغ ولوسي غو، مؤسسا شركة سكايل إيه آي، التي تركز على وسم البيانات وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. قفز تقييم الشركة بعد استثمار كبير من شركة ميتا، وهو ما اعتبرته رويترز جزءًا من المنافسة بين الشركات الكبرى لتأمين البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

Scale AI CEO Alexandr Wang testifies before a House Armed Services Subcommittee on Cyber, Information Technology, and Innovation hearing about battlefield AI on Capitol Hill in Washington, U.S. July 18, 2023. REUTERS/Jonathan Ernst
ألكسندر وانغ، مؤسس شركة سكايل إيه آي (رويترز)

تكررت الظاهرة أيضًا في قطاع أدوات البرمجة، حيث حقق مؤسسو شركة كورسور ثرواتهم بعد جولة تمويل زادت تقييم شركتهم (Anysphere) إلى حوالي 27 مليار دولار، مستفيدين من الطلب المتزايد على أدوات كتابة الشيفرات المدعومة بالنماذج اللغوية الكبيرة، وهو ما وصفته شركة آندرسون هورويتز بأنه “التحول الافتراضي الجديد في صناعة البرمجيات”.

الذكاء الاصطناعي يتجاوز البرمجة

لا تقتصر هذه الطفرة على مجال واحد، فقد شهدت محركات البحث الذكية مثل بيركسبيلتي قفزات ملحوظة في التقييمات، حيث يراهن المستثمرون على إعادة تعريف طريقة الوصول إلى المعلومات. كذلك، جذبت شركة فيغر إيه آي استثمارات كبيرة لتطوير روبوتات بشرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما اعتبره تقرير من غولمان ساكس أحد أكثر رهانات الذكاء الاصطناعي طموحًا.

شركات بمليارات دون منتجات

المثير أن بعض هذه الشركات حصلت على تقييمات ضخمة رغم عدم إطلاقها منتجات تجارية مكتملة بعد. شركة ثنكنغ ماشينز لاب، التي أسستها ميرا موراتي، وصلت إلى تقييم بعشرات المليارات خلال فترة قصيرة، مما يدل على أن التركيز أصبح على الخبرات والعقول بقدر ما هو على المنتجات، كما أفادت مجلة وايرد.

guoforit instagram
ميرا موراتي، مؤسسة شركة “ثنكنغ ماشينز لاب” وصلت إلى تقييم بعشرات المليارات خلال أشهر قليلة (مواقع التواصل)

الأمر نفسه ينطبق على شركة سايف سوبر إنتليجينس، التي أسسها إيليا سوتسكيفر، حيث جمعت مليارات الدولارات رغم أنها لا تزال في مرحلة البحث، وذلك في ظل سباق عالمي نحو تطوير نماذج ذكاء اصطناعي “آمنة”.

ثراء سريع ومخاطر كامنة

لكن هذه الثروات، التي وُصفت بأنها “على الورق”، ترتبط بتقييمات لشركات خاصة لم تُختبر بعد في الأسواق العامة، وقد حذرت فاينانشال تايمز من أن موجة الذكاء الاصطناعي قد تشهد تصحيحًا، خاصة مع ارتفاع تكاليف البنية التحتية الحاسوبية واعتماد كثير من الشركات على نماذج أعمال لم تصل بعد إلى الربحية.

تحليلات من عدة مؤسسات تشير إلى أن الفارق بين “الضجة الاستثمارية” والعوائد الفعلية قد يتضح خلال السنوات المقبلة، عندما يُطلب من هذه الشركات إثبات قدرتها على تحقيق إيرادات مستدامة.

شباب في الصدارة وتنوّع محدود

مثلما كان الحال مع موجات تقنية سابقة، نجد أن معظم المليارديرات الجدد في الذكاء الاصطناعي هم دون سن الأربعين، وبعضهم في أوائل العشرينيات، وهو نمط تكرر في تأسيس شركات كبرى مثل غوغل وفيسبوك في بداياتهما. لكن يظل تمثيل النساء ضعيفًا في هذه الطفرة، كما وثقت تقارير من كرانش بايس والمنتدى الاقتصادي العالمي، التي أكدت استمرار الفجوة الجندرية في منظومة رأس المال المغامر رغم اتساع سوق الذكاء الاصطناعي.

تظهر موجة “مليارديرات الذكاء الاصطناعي” تحولًا عميقًا في موازين القوة الاقتصادية العالمية، لكنها تطرح أيضًا أسئلة هامة حول الاستدامة وحدود الرهان على التقييمات السريعة، حيث قد يتحول بعض هؤلاء إلى أقطاب تكنولوجية طويلة الأمد، بينما قد يصبح آخرون مجرد ظاهرة عابرة في تاريخ الطفرات التقنية.