يتفق خبراء الطاقة والاقتصاديون على أن السوق العالمي لديه القدرة على التعامل مع أي تقلبات قد تطرأ على أسعار النفط بعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، ويشيرون إلى أن التأثيرات المحتملة ستكون محدودة ومؤقتة، خصوصًا في ظل وفرة المعروض وارتفاع المخزونات في الدول الكبرى.
في سياق متصل، شهدت فنزويلا أحداثًا عسكرية وسياسية سريعة، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن تنفيذ عملية تهدف إلى تغيير النظام هناك، مما أدى إلى انتشار عسكري كبير في العاصمة كراكاس، بينما أعلنت السلطات الفنزويلية حالة الطوارئ واعتبرت ما يحدث اعتداءً على سيادتها وثرواتها النفطية.
وبحسب وكالة “رويترز”، أكد مصدران مطلعان على عمليات شركة النفط الوطنية الفنزويلية أن إنتاج النفط والتكرير مستمران بشكل طبيعي، دون أي أضرار مباشرة للمنشآت النفطية نتيجة الضربة الأمريكية، بينما تعرض ميناء “لا جوايرا”، الذي لا يستخدم لتصدير النفط، لبعض الأضرار. كما أدى الحصار الأمريكي المفروض على الناقلات منذ ديسمبر إلى تراجع صادرات فنزويلا إلى نصف مستوياتها السابقة، مما تسبب في تكدس المخزونات لدى “PDVSA”.
تخمة المعروض من النفط
قال الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن التوترات في فنزويلا لن تؤثر بشكل كبير على أسعار النفط في المدى القريب، نظرًا للتخمة التي يشهدها السوق العالمي. وتتحرك أسعار النفط حاليًا في نطاق منخفض نسبيًا، حيث يتراوح سعر خام غرب تكساس حول 57 دولارًا للبرميل، بينما خام برنت عند نحو 63 دولارًا، مما يدل على وفرة المعروض.
وأوضح القليوبي أن أي تراجع في إنتاج فنزويلا، قد يصل إلى مليون برميل يوميًا، لن يؤدي إلى صدمة سعرية، حيث أن الإنتاج العالمي يبلغ نحو 104 ملايين برميل يوميًا، مع معدلات تشبع في السوق تصل إلى 1.2 مليون برميل يوميًا. كما أضاف أن عدم الاستقرار المستمر في فنزويلا قد يؤثر بشكل محدود على الأسعار، لكن السوق قادر على استيعاب ذلك.
وفيما يتعلق بالتوقيت، أشار القليوبي إلى أن أي تأثير قد يظهر في الربع الأول من العام، وإذا تم التوصل لحلول سياسية سريعة، فإن السوق يمكنه امتصاص الصدمة في فترة لا تتجاوز شهرًا.
سيناريو بديل
بالنسبة للسيناريو البديل، أكد القليوبي أنه في حال إيجاد حلول للأزمة الفنزويلية، ومع استمرار زيادة المعروض، فإن الأسعار لن تتعرض لانخفاضات حادة. ستحكم حركة الأسعار عوامل العرض المرتفع، خاصة مع استمرار الإنتاج من دول خارج “أوبك”.
أي ارتفاع طفيف في الأسعار قد يحدث بنهاية الربع الأول أو خلال الربع الثاني، بينما يبقى الاتجاه العام مرتبطًا بالتخمة في المعروض، مع احتمال وجود نقص محدود في الإمدادات خلال عام 2026 إذا تغيرت بعض المعطيات الإنتاجية.
شركات أبحاث الطاقة الأمريكية ترى أن أي تغيير سياسي في فنزويلا قد يفتح الباب لإعادة ترتيب قطاع النفط، عبر تخفيف العقوبات وعودة الشركات الكبرى مثل “شيفرون”، لكن الزيادة في الإمدادات ستكون تدريجية ومحدودة.
تدخل محسوب والسوق قادر على الاستيعاب
أكد المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، أن التدخل الأمريكي في فنزويلا لن يؤثر بشكل كبير على سوق النفط العالمي، واصفًا هذا التدخل بأنه محسوب ولا يحمل مخاطر على استقرار الأسعار. وأوضح أن السوق يشهد مستويات إنتاج مرتفعة تتراوح بين 102 و105 ملايين برميل يوميًا، وأن رفع أو تخفيف القيود عن كميات النفط الخاضعة للعقوبات قد يؤدي إلى انضباط في الأسعار.
توقع كمال أن تظل أسعار النفط دون مستوى 60 دولارًا للبرميل، وقد تتراوح بين 55 و56 دولارًا، مشيرًا إلى أن التخزين قد يقتصر على الدول التي تعتمد على النفط الفنزويلي أو الروسي أو الإيراني، مثل الصين التي بدأت بالفعل إعادة ترتيب مصادر إمداداتها.
ما يحدث في فنزويلا يعتبر حدثًا اقتصاديًا بالغ الأهمية، خاصة أنها تحتل المركز الأول عالميًا في احتياطات النفط، حيث يبلغ إنتاجها اليومي ما بين مليون و3 ملايين برميل، مما يمنحها عمر احتياطي يقارب 362 عامًا.
السعودية تأتي في المركز الثاني باحتياطيات تبلغ 297 مليار برميل، بينما تأتي إيران في المركز الثالث باحتياطيات تصل إلى 210-211 مليار برميل، والولايات المتحدة في المركز الحادي عشر باحتياطيات لا تكفي سوى 10 سنوات.
وفقًا لبيانات وكالة “بلومبرج”، سجل خام برنت 60.75 دولار للبرميل، بينما خام غرب تكساس الوسيط وصل إلى 57.21 دولار.
المخاطر مسعرة مسبقًا والخسارة الأكبر لفنزويلا
يرى أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، أن الأسواق قامت بتسعير المخاطر المترتبة على الوضع في فنزويلا مسبقًا، حيث بدأت التصريحات الأمريكية منذ شهور، مما دفع الدول إلى زيادة مخزوناتها بالفعل. كما تجاوزت مخزونات الصين مليار برميل، مما قلل من حساسية السوق تجاه أي نقص محتمل.
تراجع إنتاج فنزويلا من 1.1 مليون برميل يوميًا إلى 860 ألفًا يمثل تحديًا محدودًا للسوق العالمي، ويمكن تعويضه بسهولة عبر “أوبك” أو الولايات المتحدة، خصوصًا مع تباطؤ الطلب العالمي. وفي المقابل، فنزويلا هي الخاسر الأكبر، حيث من المتوقع أن يرتفع التضخم إلى نحو 400% وتفقد إيرادات تتجاوز 8 مليارات دولار سنويًا.
أحد أهداف الولايات المتحدة هو الإبقاء على سعر البرميل فوق 60 دولارًا لضمان جدوى أنشطة البحث والتنقيب في الجنوب الأمريكي، حيث أن الحصار قد يمنع السعر من الهبوط إلى نحو 50 دولارًا بسبب زيادة المعروض.
في النهاية، “أسطول الظل” أصبح واقعًا في سوق النفط، حيث تعمل ناقلة واحدة من كل خمس ناقلات ضمن هذا النظام، مستهدفة الصين التي تستورد نحو 80% من النفط الفنزويلي بخصومات كبيرة، مما يعني أن توقف هذه الإمدادات سيجعلها تبحث عن بدائل أعلى تكلفة.
اقرأ أيضًا:
4 دول عربية تبدأ 2026 بخفض أسعار البنزين والسولار.
السفن لم تتلق أي طلب للإبحار.. توقف صادرات النفط الفنزويلية بسبب الاضطرابات السياسية.

