بين الخوف والأمل، نعيش اليوم واقعًا جديدًا لم يعد مجرد خيال أو ترف تقني لفئة معينة، بل أصبح جزءًا من حياتنا اليومية في العمل والدراسة. الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يتواجد في المنازل والهواتف عام 2025 غيّر الكثير من الأمور، وطرح تساؤلات حول مستقبلنا المهني والتعليمي، لكنه أيضًا فتح أبوابًا جديدة لم نكن نراها من قبل.
لم يعد الذكاء الاصطناعي محصورًا في الشركات الكبيرة أو مراكز البحث، بل أصبح متاحًا للجميع تقريبًا بأدوات مجانية يستخدمها ملايين المصريين كل يوم. هذا الانتشار الواسع غيّر طريقة تفكير الناس، حيث بدأوا يستخدمون هذه التكنولوجيا للتعلم والعمل وصناعة المحتوى، مما أتاح لهم فرصة اقتناص فرص جديدة في سوق عالمي مفتوح. لكن لم تكن هذه التحولات بلا ثمن.
شهد العالم في عام 2025 موجة من تسريحات العمالة بسبب قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهام كانت تُعتبر حكرًا على البشر لفترة طويلة. ورغم أن مصر لم تتعرض لصدمات كبيرة مثل الدول الصناعية، إلا أن آثار هذه الموجة وصلت إليها بوضوح، خصوصًا في القطاعات الخدمية والإدارية، مما أثار قلقًا بين العاملين في وظائف مثل خدمة العملاء وإدخال البيانات، حيث أصبحت الأتمتة قادرة على إنجاز جزء كبير من هذه المهام.
هذا الواقع خلق حالة من القلق لدى الكثيرين، خاصة مع سرعة التغير وصعوبة التكيف لدى بعض الفئات العمرية أو التعليمية. لكن الصورة ليست كلها قاتمة، فكما أغلقت التكنولوجيا بعض الأبواب، فتحت أخرى. بدأت تظهر وظائف جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات، تتعلق بإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، وتدريب نماذجه، وتصميم تفاعله مع البشر. هذه الوظائف تحتاج إلى مهارات تقنية، ولكن أيضًا إلى فهم إنساني وقدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار.
تشير التقارير الدولية إلى أن مصر من بين الدول التي تعاني من اضطراب في المهارات، وهذا يعكس سرعة التحول أكثر مما يعكس الفشل. السوق يتحرك بسرعة، والمهارات المطلوبة تتغير بشكل مستمر، مما يفرض تحديات حقيقية على التعليم والتدريب وإعادة التأهيل.
ورغم ذلك، هناك مؤشرات إيجابية في الاقتصاد الرقمي المصري، مع نمو صادرات الخدمات الرقمية وتوسع صناعة التعهيد وظهور العديد من الشركات الناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. هذه المؤشرات توضح أن الفرصة لا تزال قائمة، لكنها تحتاج إلى استعداد وقدرة على التعلم المستمر.
في مجال التعليم، قامت مصر بخطوات واضحة نحو التحول الرقمي، سواء من حيث البنية التحتية أو الخدمات الحكومية والتعليم العالي. الجامعات التكنولوجية ومنصات الخدمات الرقمية وبرامج بناء القدرات تعكس إدراكًا رسميًا بأن مستقبل الدولة يعتمد على العقل وليس على الموارد التقليدية فقط. لكن الفجوة الرقمية لا تزال موجودة، خاصة بين الأجيال الأكبر سنًا أو الفئات الأقل تعليمًا، مما يمثل تحديًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن التحدي الاقتصادي. فالتكنولوجيا التي يُفترض أن تخلق فرصًا قد تتحول إلى عامل إقصاء إذا لم تُدار بشكل عادل.
في وسط هذا المشهد المعقد، تتضح حقيقة بسيطة: الوظائف تتغير، لكن الإنسان لا يُلغى. الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الطبيب أو المهندس أو المعلم، لكنه يغير طريقة عملهم، ويمنح الأفضلية لمن يتعلم ويتكيف ويطور نفسه. الرسالة الأهم للمواطن المصري اليوم هي أن الخوف وحده لا يبني مستقبلًا، وأن التعلم لم يعد خيارًا، بل ضرورة للحياة المهنية الكريمة. الدولة لها دور، والمؤسسات لها دور، لكن المبادرة الفردية تظل العامل الحاسم في هذا العصر. مصر اليوم ليست في صراع مع الذكاء الاصطناعي، بل في اختبار لقدرتها على التعايش معه
بين ماضٍ اعتادت فيه المهن على الاستقرار ومستقبل لا يعترف إلا بالمرونة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نكتفي بالمشاهدة، أم نشارك في صناعة التحول؟ الذكاء الاصطناعي أداة، لا عدوًا، وقيمته الحقيقية تكمن في الطريقة التي نختار بها استخدامه. وفي عالم يتغير أمام أعيننا، يبقى التعلم هو الثابت الوحيد والطريق الأكثر أمانًا نحو الغد

