ملخص.
إذا تم تقسيم السودان مرة أخرى، فهذا قد يفتح المجال لتقسيم دول أخرى مثل اليمن وسوريا، مما يخلق أجواء عامة للتقسيم في المنطقة ويعطي مبررات للتدخلات الخارجية. من الواضح أن تحركات القوات التي لا تتبع الشرعية في السودان واليمن تتركز في المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، لأنه بدون السيطرة على هذه المناطق، لن يكون هناك تمويل للصراع، ولا قدرة على الاستمرار اقتصادياً بدون دعم خارجي.
قبل حوالي 11 عاماً، ظهرت ثلاث دعوات للانفصال في مناطق مختلفة، واحدة في الشرق الأوسط واثنتان في أوروبا، وكلها انتهت بالفشل. أول محاولة كانت في اسكتلندا، حيث اعتقد الناس أنهم مختلفون ثقافياً عن بقية المملكة المتحدة، مما زاد من رغبتهم في الانفصال، خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن الاستفتاء انتهى بخسارة اسكتلندا، حيث صوت 55% لصالح البقاء ضمن المملكة، رغم وعود الحكومة البريطانية بتوسيع سلطات حكومة أدنبره.
هذا النجاح في كبح الانفصال في اسكتلندا شجع الكتالونيين في إسبانيا، الذين شعروا بأنهم مختلفون أيضاً. لكن رغم تنظيم استفتاء وتظاهرات حاشدة، واجهوا معارضة قانونية شديدة، مما أدى إلى سجن قادتهم وإفشال أحلامهم في الاستقلال. في كردستان العراق، كان مسعود بارزاني يسعى للحصول على استقلال، لكن الاستفتاء الذي أجرته قوبل بالرفض من بغداد وطهران وأنقرة، مما أدى إلى استقالته وفشل مشروعه.
على عكس ذلك، نجد أن أكراد إيران وتركيا وسوريا يركزون على المطالب الديمقراطية وحقوقهم ضمن الدول، دون التفكير في الانفصال. مثال على ذلك هو الاتفاق الذي تم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، الذي يدل على رغبة في دمج المؤسسات الكردية ضمن الدولة السورية.
في العالم العربي، يعتبر جنوب السودان هو المثال الوحيد الناجح للانفصال عام 2011، ولكن هذا لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة لفشل الحكومات السودانية في احتواء أهل الجنوب على مدى عقود. الدعم الدولي، وخاصة من الولايات المتحدة، كان له دور كبير في تسريع عملية الانفصال.
حالياً، يحاول “الدعم السريع” في السودان فرض واقع جديد بدعم خارجي، مما يشكل تهديداً ليس فقط للحكومة السودانية، بل أيضاً للأمن القومي المصري والسعودي. هذه الديناميكية تعيد نفسها في اليمن، حيث أن المجلس الانتقالي اليمني، الذي حاولت السعودية احتواءه، تحول إلى تهديد لأهل اليمن.
تقسيم السودان مرة أخرى يعني تقسيم دول أخرى مثل اليمن وسوريا، مما يخلق ذريعة للتدخلات الخارجية. في ليبيا، رغم أنها شهدت انقساماً دام لعشر سنوات، إلا أنها تمكنت من العودة إلى الوحدة الوطنية.
من المهم أن نلاحظ أن التحركات العسكرية في السودان واليمن تتركز في مناطق الثروات الطبيعية، حيث السيطرة على هذه المناطق تعني التحكم في التمويل. في اليمن، المجلس الانتقالي ليس مجرد حركة منفصلة بل جزء من صراع أكبر على الموارد.
إذا كان هناك حديث عن تقسيم اليمن، فلماذا لا يتم التفكير في تقسيمه لأكثر من يمنين؟ التاريخ يذكرنا بأن النعرات الانفصالية غالباً ما تأتي بإملاءات خارجية، وهذه التدخلات تترك آثاراً عميقة في ذاكرة الشعوب.
في النهاية، وحدة الأراضي العربية أهم من أي تحركات عسكرية، وما يحدث اليوم قد يكون له تداعيات كبيرة في المستقبل.

