لا يمكن فهم التوترات في منطقة الخليج العربي، وخاصة أزمة اليمن، دون النظر إلى الصراع الإقليمي على النفوذ في الشرق الأوسط. إذا تم التعامل مع هذه الأزمة بمعزل عن السياق الأوسع، فقد تؤدي المفاوضات بين السعودية والإمارات إلى اتفاقات مؤقتة تحقق مصالحهما في اليمن، ولكن هذا لن يحل الصراع الإقليمي بشكل جذري، مما قد يؤدي إلى تفجر الأوضاع مجددًا في أي لحظة.
إذا نظرت السعودية إلى الأزمة بشكل شامل وتحركت بناءً على ذلك، فقد تتمكن من قيادة تحالفات في العالم العربي، بالتعاون مع دول رئيسية مثل مصر وتركيا. لكن لتحقيق ذلك، تحتاج الرياض إلى استخدام جميع أوراق قوتها والتعامل مع الأزمات في الشرق الأوسط بأسلوب غير تقليدي، كما فعلت في جنوب اليمن.
يبدو أن التحول السعودي تجاه اليمن مرتبط بما تراه الرياض من خطوات تؤكد انفصال جنوب اليمن، مما قد يضعف الحكومة الشرعية المدعومة من السعودية والإمارات ويقوي الحوثيين، الذين تعتبرهم الرياض ذراعًا لإيران. هذه المخاوف قد تكون محقة، لكن لتحقيق مصالح أكبر، يتطلب الأمر التعامل مع المخاوف المشابهة في الدول العربية المحيطة.
تسير السياسة الإماراتية في اليمن وفق نهج يتوافق مع استراتيجية تتبناها الإمارات ودولة الاحتلال في عدة دول عربية. هذا النهج يتضمن دعم تقسيم الدول أو على الأقل تقسيم السلطة فيها، كما يظهر في اليمن والسودان وليبيا والصومال وفلسطين وسوريا. الجانب الثاني من هذه السياسة هو السيطرة على ممرات البحر الأحمر وموانئه، لأنها تعد من أهم طرق الملاحة الدولية.
الأزمات أحيانًا تحمل فرصًا كبيرة إذا تمكنت الدول من التعامل معها بشكل فعال وباستراتيجية شاملة تدرك نقاط القوة والضعف، مما يطرح تساؤلًا حول إمكانية أن تتحول أزمة اليمن إلى فرصة نادرة للسعودية.
تفرض الحقائق الجيوسياسية على السعودية اعتبار تقسيم اليمن تهديدًا لأمنها القومي، ولكن يجب أن تقلق الرياض أيضًا من المشاريع الانفصالية في المنطقة، لأن انقسام أي دولة عربية قد يشجع الحركات الانفصالية الأخرى، مما سيضع الدول العربية أمام تحديات حقيقية.
إذا تحقق التقسيم في اليمن والصومال، فقد يدعم ذلك أهداف دولة الاحتلال الإسرائيلي في إضعاف الدول العربية من خلال الفوضى والانقسام، مما يعزز تفوقها الاستراتيجي.
يجب أن تدفع هذه المخاطر السعودية والدول العربية الأخرى للعمل بشكل موحد، لأن تهديد المصالح القومية العربية من مشاريع التقسيم يتطلب جهدًا عربيًا مشتركًا.
الأزمات يمكن أن تتحول إلى فرص كبيرة إذا تم التعامل معها بحكمة، مما يطرح سؤالًا حول إمكانية أن تصبح أزمة اليمن فرصة للسعودية لتولي دور قيادي في العالم العربي.
تتواجد مواقف السعودية وتركيا في بعض المناطق الساخنة في الشرق الأوسط، ويمكن لمصر أن تنضم إليهما في ملفات أخرى، وإذا تحركت السعودية نحو القضايا خارج حدودها، فقد تشكل الدول الثلاث محورًا إقليميًا لمواجهة المشاريع التي تدعمها دولة الاحتلال.
السودان، على سبيل المثال، يواجه خطر التقسيم بفعل النزاع القائم، وهو ما قد يؤثر على دول أخرى في المنطقة. أما مصر، فبسبب حدودها الطويلة مع السودان، فإن موقفها قد يكون داعمًا لوحدة السودان إذا اجتمعت جهودها مع السعودية وتركيا.
الصومال أيضًا مهددة بالتقسيم، وإذا تم الاعتراف بما يسمى “دولة أرض الصومال”، فإن ذلك سيؤثر على السعودية ومصر وتركيا. لذا، يجب على هذه الدول أن تتعاون لدعم وحدة الصومال ومواجهة نفوذ الاحتلال.
ليبيا تعاني من الانقسام منذ عام 2011، حيث تدعم الإمارات الجنرال حفتر، مما يشكل تهديدًا لوحدة السودان ويؤثر على مصالح تركيا في شرق المتوسط. إذا اجتمعت جهود مصر وتركيا والسعودية لدعم وحدة ليبيا، فقد يحمي ذلك وحدة السودان ويساعد في تحقيق مصالحهم في الطاقة.
سوريا أيضًا تمثل ساحة مهمة، حيث تسعى دولة الاحتلال لتقسيمها، مما سيؤثر على مصالح الدول الثلاث. دعم موقف موحد من السعودية وتركيا ومصر في هذا السياق قد يعزز جهود استعادة سوريا لدورها في المنطقة.
لا يمكن لهذه الدول أن تحقق تقدمًا حقيقيًا دون أن تلعب دورًا أكبر في القضية الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار. مصر تلعب دور الوساطة، لكن ينبغي عليها أن توسع دورها في رفع الحصار ومنع تقسيم القطاع.
إذا تعاونت مصر وتركيا والسعودية، يمكنهم مواجهة الاحتلال بشكل أقوى، مع ضرورة استمرار السعودية في رفض التطبيع مع الاحتلال حتى يتم تحقيق شروط المبادرة العربية.
تظل الفرصة سانحة للسعودية لتكون رائدة في المنطقة بالشراكة مع مصر وتركيا، ولكن يجب أن تدرك هذه الدول عناصر قوتها وتوحد جهودها لمواجهة مشاريع الانفصال والتقسيم، مما يتطلب أيضًا انفتاحًا داخليًا في السعودية ومصر نحو الحريات.

