يُثير التطور السريع في مجال الذكاء الاصطناعي تساؤلات كثيرة حول شكل العالم في المستقبل، وما إذا كان هذا التطور سيساعد في تقارب الدول أو سيخلق فجوة جديدة تتجاوز الفجوات الاقتصادية والتكنولوجية السابقة. التقنية التي كانت تُعتبر وسيلة لتوفير فرص متساوية قد تتحول، إذا لم تُستخدم بشكل صحيح، إلى عامل يُعيد إنتاج عدم المساواة على مستوى عالمي.

تشير المؤشرات إلى أن توزيع قدرات الذكاء الاصطناعي غير متوازن، حيث يُتوقع أن تتركز نحو 70% من القيمة الاقتصادية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في عدد محدود من الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة والصين. هذه الهيمنة لا تعكس تفوقًا تقنيًا فحسب، بل تعني أيضًا السيطرة على البيانات ورأس المال والبنية التحتية الرقمية.

هذا التركز يُعمق الفجوة بين الدول التي تنتج التكنولوجيا وتلك التي تستهلكها، فبينما تتمكن بعض الدول من تطوير خوارزميات خاصة بها، تجد دولًا أخرى نفسها تعتمد على حلول جاهزة دون قدرة حقيقية على الابتكار. وهنا، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تمكين إلى وسيلة جديدة للتبعية الاقتصادية والمعرفية.

تُعيد هذه التحولات تشكيل خريطة التنافس الدولي، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو القدرات العسكرية، بل بامتلاك ما يُعرف بـ”السيادة الخوارزمية”. الدولة التي تستطيع جمع البيانات ومعالجتها وتحويلها إلى قرارات استراتيجية تمتلك ميزة يصعب تعويضها.

الفجوة لا تقتصر على الدول فقط، بل تمتد أيضًا داخل المجتمعات، إذ تشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نحو 40% من الوظائف العالمية ستتأثر بالذكاء الاصطناعي خلال العقد المقبل، مما يجعل الدول ذات الأنظمة التعليمية المرنة في وضع أفضل مقارنة بتلك التي تعجز عن إعادة تأهيل قواها العاملة بسرعة كافية. هنا، تتحول الفجوة التقنية إلى فجوة اجتماعية.

تطرح هذه المعطيات تحديات سياسية وأخلاقية تتعلق بكيفية إدارة هذا التحول دون تفاقم الانقسام العالمي. فالذكاء الاصطناعي ليس قدرًا محتومًا، بل أداة يمكن توجيهها، ومن خلال الاستثمار في التعليم وبناء القدرات المحلية وتطوير أطر تنظيمية عادلة، يمكن تحويل الذكاء الاصطناعي من عامل إقصاء إلى وسيلة للتنمية.

تؤكد التجارب الدولية أن الدول التي اعتبرت الذكاء الاصطناعي جزءًا من مشروع وطني متكامل، وليس مجرد تقنية مستوردة، استطاعت تقليص الفجوة بدلاً من توسيعها. فامتلاك رؤية واضحة وربط التقنية بالأهداف التنموية يمنح الدول مساحة للمناورة حتى في ظل اختلال ميزان القوى العالمي.

هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث فجوة جديدة بين الدول؟ الإجابة هي نعم، لكنه أيضًا يمكن أن يكون جسرًا للتقارب، والفارق هنا لا تصنعه الخوارزميات بحد ذاتها، بل السياسات والخيارات والقدرة على وضع الإنسان والتنمية في قلب التحول الرقمي.