على مدى الثلاثين عامًا الماضية، غير الإنترنت شكل بيئة العمل في أستراليا، تمامًا كما فعلت الكهرباء والحواسيب من قبل، ومع كل تقدم تكنولوجي كبير، يظهر القلق، وهذا يتكرر الآن مع الذكاء الاصطناعي.

حتى وقت قريب، كان مفهوم الذكاء الاصطناعي غامضًا للكثيرين، يرتبط بأفلام الخيال العلمي مثل “Terminator” لكن بعد إطلاق ChatGPT في أواخر عام 2022، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، اليوم، نجد روبوتات الدردشة في المواقع الإلكترونية، ومحركات البحث تعمل بتقنيات ذكية، والعديد من المهام التي كانت تُنجز يدويًا أصبحت مؤتمتة، وأصبحت وظائف مثل “معد أوامر الذكاء الاصطناعي” واقعًا في سوق العمل.

هناك آراء متباينة حول تأثير الذكاء الاصطناعي، حيث يحمل في طياته مخاطر وفرصًا معًا، دراسات حديثة من معهد الموارد البشرية الأسترالي تشير إلى أن بعض الوظائف المبتدئة شهدت زيادة مؤقتة بسبب استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية بدلاً من الاستغناء الكامل عن البشر، بينما يحذر أكاديميون من أن الوظائف الإدارية والكتابية والمبتدئة هي الأكثر عرضة للأتمتة، مع توقعات بتقليص الحاجة لبعض الأدوار التقليدية، هيئة “الوظائف والمهارات في أستراليا” تقدّر أن حوالي 55% من مهام العمل يمكن إنجازها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وقد تُستبدل 15% من المهام بالكامل.

تشير نماذج اقتصادية إلى احتمال ارتفاع مؤقت في معدلات البطالة، وهذا يعتمد بشكل كبير على سرعة تبني الذكاء الاصطناعي وكيفية إدارة الحكومات لهذا التحول، ورغم صعوبة الربط بين فقدان الوظائف والذكاء الاصطناعي بشكل مباشر، إلا أن أستراليا شهدت حالات بارزة مثل تسريح موظفين في قطاع الخدمات المصرفية، قبل أن يتم التراجع عن القرار بعد تدخل نقابي.

في المقابل، يعتقد بعض الخبراء أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح أبواب نمو كبير في قطاعات تعاني من نقص في العمالة، مثل المهن الحرفية والرعاية الصحية والتعليم والضيافة، ومن المتوقع أن تشهد قطاعات البناء والزراعة والتصنيع والتعليم والخدمات زيادة في فرص العمل، خاصة في الوظائف التي تتطلب تفاعلًا بشريًا مباشرًا ولا يمكن أتمتتها بسهولة.

يحذر مختصون من أن الخطر الأكبر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في رفض التكيف معه، فالعاملون الذين يتعلمون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز إنتاجيتهم سيصبحون أكثر قيمة في سوق العمل، بينما قد يجد من يرفض التعامل مع هذه التقنيات أنفسهم أقل قدرة على المنافسة مع مرور الوقت.

يشبه بعض الخبراء الذكاء الاصطناعي بالكهرباء قبل مئة عام، كتقنية مُمكِّنة أطلقت صناعات لم يكن من الممكن تخيلها آنذاك، ومن المتوقع أن نشهد في العقد المقبل ظهور منتجات ووظائف جديدة بالكامل نتيجة أفكار مبتكرة ورواد أعمال يستفيدون من قدرات الذكاء الاصطناعي.

ينصح الخبراء بتعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي، والتجربة العملية باستخدام أدواته، والاستفادة من الدورات المجانية والشهادات القصيرة عبر الإنترنت، كما يشددون على أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتطوير المهارات، وليس كبديل عن التفكير البشري.