ثورة الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد تقنيات متطورة، بل أصبحت تتعلق بالطاقة بشكل أساسي، فكل سؤال نطرحه على نموذج لغوي أو صورة تُنتَج آلياً، وراءه بنية تحتية ضخمة من مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، وأنظمة التبريد، وشبكات الكهرباء التي تعمل بلا توقف

 

مع سعي العالم نحو الابتكار والنمو السريع، يطرح سؤال مهم: هل لدينا الطاقة الكافية والآمنة لتلبية احتياجات هذا المستقبل الرقمي؟

 

 

في يناير، يجتمع زعماء العالم في دافوس لمناقشة طرق تعزيز النمو والابتكار بطريقة مسؤولة، مع التركيز على بناء الازدهار في إطار حدود كوكبنا

 

لكن هناك تحدٍ كبير يلوح في الأفق، وهو أزمة الطاقة العالمية المتزايدة، التي لم تعد مرتبطة فقط بزيادة عدد السكان أو التحضر، بل أيضاً بالطلب المتزايد على الطاقة الناتج عن الذكاء الاصطناعي

 

تشير البيانات العالمية إلى أن الطلب على الطاقة في ارتفاع مستمر، مع زيادة استهلاك الكهرباء بشكل غير مسبوق

 

هذا يدل على تحول عالمي واضح: مزيد من التبريد والإنتاج الصناعي، وزيادة الاعتماد على الكهرباء، بالإضافة إلى زيادة عدد مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية

 

لكن رغم زيادة الاستهلاك، لا يزال الوصول إلى الطاقة غير متساوٍ، فمليارات الأشخاص حول العالم يفتقرون إلى كهرباء موثوقة، بينما تستهلك بعض المجتمعات الطاقة بشكل مفرط

 

في هذه المرحلة، لا يواجه العالم مجرد «انتقال» في الطاقة، بل «توسعاً» هائلاً في الطلب، وطريقة التعامل مع هذا الواقع ستحدد ما إذا كانت ثورة الذكاء الاصطناعي ستعزز الازدهار البشري أو تعمق الفجوات الموجودة بالفعل

 

الذكاء الاصطناعي.. جبهة الطاقة الجديدة

 

لطالما كان يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كظاهرة رقمية بحتة، لكن هذا المفهوم يتغير بسرعة، حيث يعتمد هذا المجال بشكل كبير على بنية تحتية تتطلب طاقة كبيرة

 

خلف كل نموذج لغوي وكل صورة تُنتَج، هناك رقائق إلكترونية تحتاج للكهرباء، وأنظمة تبريد ضخمة، ومراكز بيانات عملاقة، وشبكات طاقة يجب أن تتماشى مع هذا الطلب المتزايد

 

بعض التقديرات تقول إن استهلاك مراكز البيانات قد يتضاعف بحلول عام 2030 إذا استمر الذكاء الاصطناعي في النمو بنفس الوتيرة

 

كما يحذر البعض من أن الطلب المتزايد على الطاقة بسبب الذكاء الاصطناعي قد يتعارض مع احتياجات الدول النامية ويقوض الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ

 

لفهم حجم التحدي، يمكننا مقارنة بعض الأرقام: بحث واحد عبر «تشات جي بي تي» يستهلك طاقة تعادل سبعة أضعاف ما يستهلكه البحث التقليدي عبر «غوغل»

 

إنشاء فيديو مدته دقيقة واحدة باستخدام الذكاء الاصطناعي يتطلب طاقة تعادل ما يستهلكه منزل غربي متوسط خلال ساعة كاملة، وتدريب نموذج ذكاء اصطناعي ضخم قد يحتاج لطاقة تفوق ما تحتاجه أكثر من 100 منزل في عام كامل بالدول المتقدمة

 

عند ضرب هذه الأرقام في عدد المستخدمين والملايين من الخوادم، تصبح الأرقام مذهلة

 

لذا، أصبحت مسألة إمدادات الطاقة جزءاً أساسياً من النقاش حول الذكاء الاصطناعي، فنحن ندخل عصرًا تصبح فيه الرقائق الإلكترونية «النفط الجديد»، ومراكز البيانات بمثابة «المصافي»، والطاقة الموثوقة موردًا استراتيجيًا مهمًا

 

 

لماذا يجب أن يكون الجنوب العالمي جزءاً من المعادلة؟

 

تضم الاقتصادات الناشئة الجزء الأكبر من النمو السكاني في المستقبل، وهي تشهد زيادة حادة في الطلب على الطاقة

 

ومع ذلك، غالباً ما يتم تجاهل الاستثمار في بنية الطاقة التحتية عند التخطيط لعصر الذكاء الاصطناعي، حيث تُعطى الأولوية للتقنيات الرقمية على حساب سؤال الإمدادات، وهذا غير مقبول

 

يتطلب مستقبل الطاقة العادل أن تحصل الدول التي ستقود الموجة الرقمية المقبلة على إمدادات طاقة موثوقة وميسورة، ليس فقط للمنازل، ولكن أيضاً لمراكز البيانات والمصانع

 

لا ينبغي لدول الجنوب العالمي أن تُترك خارج الثورة الرقمية، أو تُجبر على الاختيار بين انقطاع الكهرباء أو البيانات المعطلة

 

استراتيجية طاقة براغماتية

 

لمواجهة هذا التحدي، يجب أن يدرك القادة والقطاع الخاص حجم الرهان ويتحركوا وفقاً لذلك، وهذا يتطلب تبني استراتيجية طاقة شاملة ترتكز على ثلاثة أعمدة رئيسية

 

الأمن: ضمان إمدادات مستقرة وقابلة للتوسع من مصادر متنوعة، تشمل الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، ودعم توسيع الشبكات الكهربائية وموثوقيتها

 

القدرة على تحمل التكاليف: يجب أن تبقى الطاقة في متناول الأسر والصناعات، حيث إن ضعف الاستثمار قد يؤدي لزيادة الأسعار وزيادة الفقر في الطاقة

 

الاستدامة والعدالة: تسريع نشر الطاقة المتجددة بواقعية، مع دعم وصول الطاقة إلى المناطق الفقيرة

 

هذا المزيج هو الطريق الوحيد لتحقيق التوازن بين النمو، والتقدم التكنولوجي، والمسؤولية المناخية

 

دور محوري لمناطق الطاقة

 

يمكن لمناطق مثل الخليج، التي تتمتع بموارد طاقة وفيرة، أن تلعب دوراً مهماً في هذه المرحلة، فهي قادرة على توفير طاقة مستقرة للبنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، وجذب الاستثمارات في مشاريع الطاقة التقليدية والنظيفة

 

 

الحوكمة والتعاون.. ودافوس 2026

 

في دافوس 2026، يجب على المشاركين أن يدركوا أن العلاقة بين الطاقة والذكاء الاصطناعي أصبحت مركزية، فموضوعات الابتكار والنمو والاستدامة مرتبطة بشكل مباشر بأمن الطاقة

 

وهذا يتطلب تعاوناً جديداً، استثمارات عابرة للحدود، وأطر مشتركة لاختيار مواقع مراكز البيانات، ودعماً عالمياً لتطوير البنية التحتية في الجنوب العالمي

 

كما يجب أن يتزامن الابتكار مع تطوير الذكاء الاصطناعي لتحسين أداء الشبكات والتنبؤ بالطلب، لكن ذلك يعتمد على إمدادات الطاقة الموثوقة

 

لذلك، يجب أن يتقدم الذكاء الاصطناعي مع نشر الطاقة النظيفة لحل معضلة الأمن والعدالة والاستدامة

 

العالم عند مفترق طرق

 

اليوم، يقف العالم عند مفترق طرق، أحد المسارات يقود إلى الازدهار: حيث يحصل مليارات البشر على الطاقة، وتزدهر الاقتصاديات الرقمية، ويعزز الذكاء الاصطناعي الإمكانات البشرية

 

أما المسار الآخر فينذر بنقص الطاقة، وتعميق الفجوات، وزيادة الاعتماد على الكربون، وتوسيع الفجوة بين المناطق الغنية بالتكنولوجيا وتلك الفقيرة بالطاقة

 

التحدي في عام 2026 وما بعده لا يقتصر على تسريع نشر الطاقة النظيفة، بل يتطلب إعادة التفكير في استراتيجية الطاقة ككل، أي النظر إلى الطاقة كعنصر أساسي للبنية التحتية الرقمية والعدالة الاقتصادية والاستقرار العالمي

 

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الطاقة مجرد خدمة، بل أصبحت العمود الفقري للازدهار والابتكار وتكافؤ الفرص

 

المصدر: “المنتدى الاقتصادي العالمي”