فتح البلاغ الذي قدمته الفنانة هيفاء وهبي للنائب العام ضد عدد من الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي التي نشرت صورًا وفيديوهات مفبركة تحمل محتوى خادشًا للحياء منسوبة لها باستخدام الذكاء الاصطناعي أثار جدلًا واسعًا حول خطورة تقنية Deepfake وتأثيرها على الأفراد والمجتمع، حيث أكد البلاغ الذي قدمه المستشار شريف حافظ، محامي هيفاء، أن الهدف من هذه المواد المفبركة هو الإساءة إليها وتشويه سمعتها أمام الرأي العام، وطالب بالتحقيق مع كل من له علاقة بنشرها سواء كانوا ناشرين أو وسطاء.

من الناحية القانونية، يرى المحامي أحمد السعيد أن قضية هيفاء وهبي تسلط الضوء على ضرورة تطوير التشريعات لمواجهة التحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة، فقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يمنح النيابة صلاحية ملاحقة كل من يشارك في نشر محتوى مفبرك أو مسيء، لكن تعقيد تتبع الحسابات المزيفة والسيرفرات الدولية يتطلب استخدام أدوات تقنية متقدمة لضمان تحديد المسئولين ومحاسبتهم.

التحدي التكنولوجي لا يقل خطورة، كما يوضح خبير أمن المعلومات الدكتور مصطفى حسن، حيث إن الذكاء الاصطناعي يمكنه محاكاة الصوت وحركات الوجه بدقة تجعل اكتشاف التزييف شبه مستحيل بالنسبة للمستخدم العادي، مما يجعل من الضروري تطوير أدوات كشف تعتمد على تحليل البكسل والحركة والإضاءة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد أي تشوه رقمي.

البلاغ الذي قدمته هيفاء ليس مجرد حادث فردي، بل يعكس ظاهرة أكبر وأكثر خطورة في العالم الرقمي، حيث تستخدم تقنية الديب فيك لتزوير الفيديوهات والصوتيات بشكل يحاكي الواقع بدقة مذهلة، وهذه التقنية تعتمد على التعلم العميق والشبكات العصبية المتقدمة، مما يمكنها من محاكاة وجوه الأشخاص وحركاتهم ونبرات أصواتهم بشكل يصعب اكتشافه بالعين المجردة.

نشأت تقنية Deepfake عام 2014 على يد الباحث إيان جود فلو الذي طور نموذج الشبكات التوليدية المتضادة، والذي سمح للذكاء الاصطناعي بتوليد محتوى رقمي يبدو حقيقيًا تمامًا من بيانات تم تدريب النظام عليها، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه التقنية سلاحًا ذو حدين، حيث تُستخدم لأغراض ترفيهية وفنية، لكنها أيضًا تُستغل في الاحتيال والابتزاز والتشهير والتأثير السياسي والاقتصادي، كما يتضح من حالات الاحتيال المالي والابتزاز عبر الفيديوهات المفبركة.

ما حدث مع هيفاء لا يمثل تهديدًا للمشاهير فقط، بل يهدد كل فرد في المجتمع، فالديب فيك يخلق عالمًا رقميًا لا يمكن الوثوق فيه، حيث لم يعد ما تراه العين أو تسمعه الأذن معيارًا للحقيقة، ويمكن لأي شخص أن يُبتز أو تُشوه سمعته بسهولة، كما أن الفيديوهات المفبركة قد تؤثر على قرارات سياسية أو مالية أو اجتماعية.

أمثلة عديدة تؤكد خطورة هذه التكنولوجيا، مثلما حدث لموظف مالي في هونج كونج دفع ملايين الدولارات بعد مكالمة فيديو مزيفة، أو سيدة بريطانية تعرضت للاحتيال عبر Deepfake، بالإضافة إلى حالات ابتزاز لفتيات باستخدام الفيديوهات المزيفة. وفي مصر، وقعت أكثر من جريمة تم فيها استغلال الفتيات عبر التزييف العميق، لكن جهود وزارة الداخلية أعادت لهن حقوقهن وألقت القبض على المتهمين.

في الوقت نفسه، تُستخدم التقنية أحيانًا لأغراض ترفيهية، مثل مقاطع الفيديو التي تتضمن توم كروز أو شخصيات مشهورة أخرى، لكن حتى هذه الاستخدامات تُظهر قدرة Deepfake على خداع العين وإيهام المشاهد بالواقع.

لحماية الأفراد من هذه التهديدات، يتطلب الأمر وعيًا رقميًا قد لا يتوفر للجميع، لكن خبراء التكنولوجيا يشيرون إلى أن الحماية تبدأ من ضبط إعدادات الخصوصية واستخدام كلمات مرور قوية ومصادقة ثنائية، بالإضافة إلى توثيق أي محتوى مشبوه وإبلاغ السلطات المختصة.

استخدام هذه التقنيات في إنشاء فيديوهات مفبركة يمثل تهديدًا مباشرًا للثقة الاجتماعية، حيث يخلق حالة من الريبة العامة تجاه أي محتوى بصري أو صوتي على الإنترنت، مما يؤدي إلى ضغط نفسي هائل على الأفراد وفقدان مصداقية الشخص أمام محيطه، خاصة الشخصيات العامة والمشاهير، وقد يمتد تأثيره إلى الأفراد العاديين الذين يمكن أن يُستغلوا في ابتزاز أو تشويه السمعة.

من الناحية التكنولوجية، تمثل Deepfake تحديًا كبيرًا لأمن المعلومات والمجتمعات الرقمية، حيث يشير الدكتور مصطفى حسن إلى أن هذه التقنية تمثل ثورة مزدوجة، فهي مفيدة في الترفيه والأعمال السينمائية، لكنها تشكل تهديدًا كبيرًا للأمن الرقمي. الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على محاكاة الصوت وحركات الوجه بدقة عالية، مما يجعل اكتشاف التزييف شبه مستحيل، وهذا يفرض على الشركات والأفراد استخدام أدوات متقدمة للكشف عن التزييف، مثل برامج تحليل البكسل وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

قضية هيفاء وهبي تمثل نموذجًا حيًا للمعركة الحديثة بين الإبداع الرقمي والأخلاقيات، بين حرية التعبير وحماية الأفراد من الابتزاز والتشهير، وهي تذكير بأن ما نراه ليس دائمًا الحقيقة، وأن التكنولوجيا مهما كانت رائعة يمكن أن تتحول إلى أداة تهديد إن لم تُستخدم بمسؤولية.