منذ بداية ديسمبر الماضي، أصبح الوضع في اليمن الجنوبي ليس مجرد صراع سياسي يمكن السيطرة عليه، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمعنى التمثيل وحدود القوة. التحركات العسكرية التي قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، والتي تلقى دعماً خارجياً، لم تكن مجرد حدث أمني عابر، بل كانت بمثابة إعلان سياسي عن محاولة فرض واقع جديد يعتبر نفسه شرعياً.

السؤال الأهم هنا هو من يمثل جنوب اليمن؟ وكيف يقدم المجلس الانتقالي نفسه كممثل حصري لمنطقة متعددة الجوانب ولها تاريخ معقد؟ لا توجد انتخابات أو استفتاءات، ولا اتفاقات سياسية جامعة تعبر عن إرادة الناس، ومع ذلك يتم التعامل مع القوة كأنها تفويض ومع السيطرة كأنها تمثيل، وكأن السياسة تعتمد فقط على القوة وليس على الناس.

الجنوب ليس كياناً واحداً يمكن اختزاله في مجلس أو قائد، بل هو مساحة غنية بالتنوع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. حضرموت، بتاريخها العريق، ليست امتداداً سياسياً للضالع، والمهرة لها خصوصيتها، وعدن ليست مجرد فصيل يمكن دمجه في خطاب تعبوي أو عرض عسكري. أي محاولة لفرض تمثيل أحادي لن تؤدي إلى توحيد الجنوب، بل ستعمق الانقسامات بين مكوناته.

التاريخ القريب يعطينا درساً واضحاً، ففي زمن الحكم الماركسي، تم رفع شعارات كبيرة حول سلطة الشعب والتحرر، لكن الدولة كانت قائمة على حزب واحد، بلا تعددية حقيقية، وانتهت تلك التجربة إلى صراعات داخلية أضعفت المجتمع. اليوم، نرى نفس الفكرة تتكرر، ولكن تحت غطاء مختلف، حيث يتم استبدال القوة بالسياسة والإكراه بالشرعية.

الأمر الأكثر خطورة هو أن هذا الوضع لا يقتصر على الجنوب، بل يمتد إلى ما هو أبعد، حيث تتحرك القوات العسكرية خارج إطار الدولة وبدون غطاء شرعي، مما ينقل الأزمة إلى مستوى إقليمي أوسع. هنا يصبح الحديث عن تهديد مباشر للاستقرار، وهو ما دفع السعودية إلى اتخاذ موقف واضح عندما استهدفت طائرات التحالف السفن القادمة من الفجيرة، مؤكدة أن أمنها خط أحمر.

من المهم أن تدرك قوات المجلس الانتقالي حدودها، وأن وجودها في حضرموت والمهرة لا يعتمد على تفويض شعبي أو شرعية الدولة، وأن الخروج من هذه المناطق هو خطوة لتصحيح المسار. السياسة ليست مجرد شعارات أو قوة عسكرية، بل تحتاج إلى قبول شعبي حقيقي.

في مفارقة واضحة، نجد أن هناك دعماً لمشروع يتحدث باسم الجنوب من أطراف ليست جزءاً منه جغرافياً، مما يشير إلى أن القضية أحياناً تُستخدم كوسيلة للنفوذ والصراع، لا كملف سياسي حقيقي. هذا الاستخدام يزيد من أزمة الثقة داخل المجتمع الجنوبي ويقوض أي ادعاء بالتمثيل.

الخلاصة هي أن التمثيل لا يمكن فرضه بالقوة أو استيراده، بل هو مسار سياسي يبدأ بتفويض شعبي وينتهي بمؤسسات تعبر عن الإرادة العامة. كل ما عدا ذلك، مهما كان صاخباً أو مسلحاً، يبقى مجرد ادعاء مؤقت في صراع طويل من أجل الشرعية.