تسير التحولات في القطاع المصرفي الأوروبي بسرعة غير مسبوقة، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً في خفض التكاليف وزيادة الكفاءة، وهو ما يعتبر ضرورة في ظل الضغوط المتزايدة من السوق والمستثمرين. هذا التحول بدأ يعيد تشكيل البنوك وآليات عملها، من الاعتماد على الفروع التقليدية إلى نماذج تشغيلية أكثر رقمية، مما يقلل من الحاجة إلى العنصر البشري في المهام الروتينية.
تواجه البنوك الأوروبية تحديات معقدة، فهي بحاجة لتحسين الربحية والتكيف مع بيئة تنظيمية صارمة، بالإضافة إلى مواجهة منافسين عالميين يحققون تقدمًا كبيرًا بفضل التكنولوجيا. هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي كأداة قادرة على إعادة ترتيب الأولويات وتغيير موازين الكلفة والعائد، مما يفتح المجال لإعادة هيكلة شاملة للعمليات المصرفية.
تتجه الأنظار نحو السنوات القادمة وما ستجلبه من تغييرات، ليس فقط في نماذج الأعمال المصرفية، بل أيضًا في مستقبل الوظائف داخل هذا القطاع. هناك مخاوف من فقدان وظائف تقليدية، ولكن في نفس الوقت تبرز فرص جديدة لأدوار أكثر تخصصًا وتعقيدًا، مما يعني أن المشهد المصرفي الأوروبي على وشك دخول مرحلة جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
وظائف مهددة
بحسب تقرير من صحيفة “فايننشال تايمز”، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 200 ألف وظيفة مصرفية في أوروبا مهددة خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث تتجه البنوك بشكل متزايد نحو استخدام الذكاء الاصطناعي وتغلق المزيد من الفروع. يتوقع مورغان ستانلي أن القطاع المصرفي قد يخفض 10% من الوظائف بحلول عام 2030، مع انتقال المزيد من العمليات إلى الإنترنت. من المحتمل أن تأتي عمليات التسريح من داخل أقسام الخدمات المركزية، والتي تشمل وظائف المكاتب الخلفية والوسطى، بالإضافة إلى وظائف إدارة المخاطر والامتثال.
تبلغ إجمالي عدد موظفي البنوك حوالي 2.12 مليون موظف، مما يعني أن خفض العدد بنسبة 10% قد يؤدي إلى فقدان حوالي 212 ألف وظيفة. وقد أشارت العديد من البنوك إلى مكاسب في الكفاءة ناتجة عن الذكاء الاصطناعي تصل إلى 30%. تواجه البنوك الأوروبية ضغوطًا كبيرة من المستثمرين لإيجاد طرق جديدة لخفض التكاليف وتعزيز العائد على حقوق الملكية.
بدأت بعض البنوك في الاستشهاد بالذكاء الاصطناعي كعامل محفز لإعادة هيكلة عملياتها. على سبيل المثال، أعلن بنك ABN Amro الهولندي أنه سيستغني عن حوالي خُمس موظفيه بحلول عام 2028، بينما حذر الرئيس التنفيذي لبنك Société Générale من أن “لا شيء مقدس” في حملته لخفض التكاليف.
تحول هادئ
يقول الدكتور أحمد بانافع، خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بجامعة سان خوزه الحكومية، إن البنوك الأوروبية تمر بتحول هادئ، لكنه عميق وجذري. هذا التحول لا يقتصر على تطوير الخدمات المصرفية، بل يمتد ليؤثر على مستقبل عشرات الآلاف من العاملين في القطاع. تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد حوالي 200 ألف وظيفة مصرفية في أوروبا بحلول عام 2030، أي ما يعادل نحو 10% من إجمالي القوى العاملة في البنوك.
المسألة ليست فقط إلغاء الوظائف، بل تتعلق بإعادة تعريفها. يشهد القطاع تحولًا نحو أتمتة المهام الروتينية مثل إدخال البيانات ومراجعة المستندات، وهي مهام يمكن للذكاء الاصطناعي إنجازها بسرعة ودقة عالية، مما يقلل الحاجة إلى عدد كبير من الموظفين. الوظائف الأكثر عرضة للتأثر تشمل موظفي العمليات الخلفية ووظائف خدمة العملاء الروتينية.
لكن هذا التحول يخلق فرصًا جديدة، حيث يتزايد الطلب على خبراء حوكمة الذكاء الاصطناعي ومهندسي البيانات، بالإضافة إلى اختصاصيي الأمن السيبراني. القوانين التنظيمية في الاتحاد الأوروبي تجعل اعتماد الذكاء الاصطناعي أكثر حذرًا، لكنها تفتح المجال أمام وظائف جديدة لضمان الامتثال.
تحسين الخدمات
بحسب تقرير لشركة تطوير البرمجيات netguru، فإن الذكاء الاصطناعي يغير وجه الخدمات المصرفية. تستخدم البنوك هذه التقنية لتحسين خدماتها وزيادة كفاءة عملها، ومن المتوقع أن يُضيف الذكاء الاصطناعي ما بين 200 و340 مليار دولار أمريكي إلى قيمة القطاع المصرفي العالمي سنويًا. تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي البنوك في تقديم خدمات أفضل وكشف عمليات الاحتيال بشكل أسرع، كما تسهل إدارة الأموال والاستثمارات.
مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي، ستحتاج البنوك إلى التعاون مع شركات التكنولوجيا للحفاظ على ريادتها، ويجب عليها استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة تحترم الخصوصية والنزاهة.
مرحلة مفصلية
يقول محمد سعيد، خبير أسواق المال، إن المشهد المصرفي الأوروبي يمر بمرحلة مفصلية، حيث تشير التقديرات إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تُعرّض نحو 200 ألف وظيفة مصرفية للخطر بحلول عام 2030. الدافع وراء هذه الموجة هو الضغوط المتزايدة من المستثمرين لتحسين نسب التكلفة إلى الدخل، والتي لا تزال متأخرة مقارنة بالبنوك الأميركية.
التأثير الأكبر يتركز في الوظائف الروتينية والمتكررة، خصوصًا في أنشطة المكاتب الخلفية. ورغم ذلك، لا يعني هذا التحول تسريح العمالة بل يعكس إعادة تشكيل لطبيعة الوظائف المصرفية. التقديرات تشير إلى أن مئات الآلاف من الموظفين سيحتاجون إلى إعادة تأهيل لتولي أدوار جديدة تجمع بين الخبرة المصرفية والمهارات التقنية.

