تحمل الزيادة المفاجئة في أسعار الوقود التي أعلنتها الحكومة الجزائرية بداية عام 2026 معانٍ اقتصادية واجتماعية عميقة، فهي ليست مجرد خطوة لتغطية تكاليف الإنتاج كما ذكر في البيان الرسمي، بل تعكس لحظة حرجة في مسار الاقتصاد الجزائري الذي يسعى للتوازن بين ضغوط الإنفاق الداخلي وتقلبات السوق العالمية.
أسعار الوقود تعد محركاً أساسياً لكافة القطاعات، وأي زيادة فيها ستؤدي حتماً إلى ضغوط تضخمية تؤثر بشكل مباشر على المواطن، خاصة أن النقل يعتمد بشكل كبير على الشاحنات، مما يعني أن تكلفة نقل الخضروات والسلع الأساسية سترتفع، وهذا قد يؤدي إلى موجة جديدة من الغلاء في الأسواق.
يبدو أن الحكومة تحاول تهيئة الرأي العام لفكرة مراجعة أسعار الطاقة بشكل تدريجي كجزء من إصلاحات أوسع قد تشمل نظام الدعم الاجتماعي، حيث تواجه الجزائر تحدياً في إقناع الشارع بأن هذه الزيادة ستساهم فعلياً في “ضمان التموين”، وسط مخاوف من أن تكون مجرد وسيلة لسد العجز المالي.
لا يمكن النظر إلى قرار زيادة أسعار الوقود بمعزل عن فشل النموذج التنموي في فك الارتباط بقطاع المحروقات، فرغم الوعود المتكررة بالإقلاع، لا يزال الاقتصاد الجزائري عالقاً في دائرة “الريع النفطي”، مما يفسر لجوء الحكومة إلى جيوب المواطنين عند أي اهتزاز في التكاليف أو المداخيل.
كما واجه الاستثمار الخاص والأجنبي خارج النفط العديد من العوائق، مما أدى إلى هروب الرساميل وعدم القدرة على خلق بدائل حقيقية تخفف الضغط عن شركة “سوناطراك”.
وزارة المحروقات والمناجم أوضحت أن “تحديث أسعار الوقود جاء لضمان التموين المستمر للسوق الوطنية ومواجهة تكاليف الإنتاج والتوزيع المتزايدة”، وأكدت أن الدولة مستمرة في تحمل الفارق الكبير بين التكلفة الحقيقية للإنتاج وسعر البيع النهائي عند المحطة، مما يعني استمرار سياسة الدعم الحكومي للأسعار ولكن بنسبة أقل من السابق.
في يوم الخميس، أقرت السلطات الجزائرية زيادات مفاجئة في أسعار الوقود، حيث ارتفع سعر البنزين إلى 47 ديناراً للتر (بزيادة 1.38 دينار) وسعر الديزل (السولار) إلى 31 ديناراً للتر (بزيادة 1.99 دينار)، بينما شهد غاز البترول المسال الزيادة الأكبر بنسبة 33 بالمئة، حيث ارتفع من 9 إلى 12 ديناراً للتر الواحد.
الوزارة اعتبرت أن هذه المقاربة تهدف للموازنة بين “حتمية الحفاظ على استمرارية الخدمة وجودتها، وبين حماية المستهلك من التقلبات الحادة للأسعار”.
وأشارت إلى أن أسعار الوقود في الجزائر، التي لم تشهد أي تغيير منذ عام 2020، لا تزال من بين الأكثر انخفاضاً واستقراراً على المستوى الدولي.
الجزائر تتبنى نظام دعم كبير للطاقة، ولكن هذا النظام أصبح عبئاً ثقيلاً على الخزينة العمومية، ويعكس اعتراف الحكومة بتحمل الفارق أن سعر البيع لا يزال أدنى من التكلفة، لكن تقليص نسبة الدعم يشير إلى توجه نحو الترشيد بسبب تضخم فاتورة الدعم التي تلتهم جزءاً كبيراً من الموازنة العامة.
ورغم الخطابات الرسمية حول “تفوق القطاعات خارج المحروقات”، تظهر الأرقام واقعاً مغايراً، حيث لا تزال الطاقة تهيمن على أكثر من 93 بالمئة من إجمالي صادرات البلاد، مما يجعل ميزانية الدولة، بما فيها القدرة على دعم الوقود، رهينة لتقلبات أسعار النفط العالمية والقرارات التي تُتخذ في أروقة منظمة “أوبك+”.
تعتمد الجزائر على الجباية البترولية لتمويل نفقات التسيير والرواتب بنسبة تزيد عن 75 بالمئة، مما يجعل أي تراجع في المداخيل أو زيادة في تكاليف الإنتاج يترجم مباشرة إلى عجز مالي تحاول الحكومة تقليصه عبر خفض الدعم.

