لحظات مهمة يعيشها اليمن، تنضم لسجل تاريخي حافل في العصر الحديث، مضت فيه البلاد من الاستقلال إلى الوحدة، ثم “دولة الجنوب”.
ففي القرن التاسع عشر، سيطرت بريطانيا على عدن والمناطق الجنوبية، بينما فرضت الدولة العثمانية نفوذها على المناطق الشمالية، وعاش اليمن فعليًا منقسماً بين نفوذ بريطاني في الجنوب وسيطرة عثمانية في الشمال، واستمر هذا الوضع لعقود حتى الحرب العالمية الأولى. بعد هزيمة الدولة العثمانية عام 1918، انسحبت قواتها من شمال اليمن، ليعلن الإمام يحيى حميد الدين قيام المملكة المتوكلية اليمنية. في الجنوب، استمر الاستعمار البريطاني حتى عام 1967، حين نال الجنوب استقلاله بعد كفاح مسلح، وتم الإعلان عن قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتبنت الدولة الوليدة النهج الاشتراكي وأصبحت حليفة للاتحاد السوفياتي.
لكن الأمور لم تكن مستقرة بين الجنوب والشمال، إذ شهدت السبعينيات والثمانينيات مناوشات وحروب حدودية، وأيضًا جولات من المفاوضات. في عام 1986، شهد جنوب اليمن حربًا أهلية دامية قضت على جزء كبير من قيادته السياسية، كما دخل الاتحاد السوفياتي -الداعم الرئيسي للجنوب- مرحلة التفكك. تسارعت جهود الوحدة بعد ذلك، حتى رُفع علم الجمهورية اليمنية في عدن، وأصبح علي عبد الله صالح رئيسًا للدولة الجديدة وعلي سالم البيض نائبه في 22 مايو/أيار 1990، وأُعلن عن دستور جديد لليمن الموحد تم الاستفتاء عليه بنجاح عام 1991.
لكن وحدة اليمن سرعان ما واجهت اختبارًا قويًا، حيث اندلعت حرب أهلية بين شطريه في 5 مايو/أيار 1994، أججها خلاف قادة الشطرين حول تقاسم السلطة ودمج الجيش، واستمرت الحرب حتى يوليو/تموز من العام نفسه، وخلفت ما بين 7 إلى 10 آلاف قتيل، وانتهت المعارك بانتصار قوات علي عبد الله صالح وهزيمة الجنوبيين، وفرار قائد ثورتهم علي سالم البيض إلى الخارج.
ولم يضع ذلك الانتصار نهاية للخلاف، بل عمقه؛ حيث يرى الجنوبيون أن الوحدة السلمية انتهت في ذلك اليوم وحل محلها “احتلال عسكري” أدى إلى تسريح آلاف الكوادر الجنوبية ونهب الأراضي والممتلكات، وقد أدت هذه الوضعية في 2007 إلى ما عُرف بـ”الحراك الجنوبي”، الذي بدأ بمطالب حقوقية لجمعية المتقاعدين العسكريين، لكنه سرعان ما تحول إلى حركة سياسية شعبية تطالب بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب.
وفي عام 2011، مع اندلاع احتجاجات الربيع العربي، تراجع حضور مطلب الانفصال مؤقتًا في خطاب الحراك، وانضم الجنوبيون إلى الاحتجاجات الشعبية التي عمت مدنًا يمنية مطالبين بإسقاط نظام علي عبد الله صالح.
وعقب سيطرة الحوثيين على السلطة في العاصمة صنعاء ومناطق أخرى عام 2014، تغيرت الموازين على الأرض، وأُعلن في عام 2017 عن تأسيس “المجلس الانتقالي الجنوبي” برئاسة عيدروس الزبيدي، هذا المجلس الذي يسيطر على عدن ومناطق واسعة في الجنوب. في مايو/أيار 2023، أعاد المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن تشكيل هيئة رئاسته لتضم 25 عضوًا، إضافة إلى تعيين رؤساء للهيئات التابعة له، كما شكل مجلس استشاري يضم 392 عضوًا، بمثابة الغرفة التشريعية الثانية للمجلس إلى جانب الجمعية الوطنية.
وفي نفس العام، عقد الانتقالي الجنوبي مؤتمرًا ضم رؤساء وممثلي المكونات السياسية الجنوبية، اختُتم بالتوقيع على “ميثاق وطني” للانفصال، استنادًا إلى ما وصفوه بمعاناة محافظات الجنوب من تهميش وإقصاء سياسي واقتصادي، ومع مطلع 2026 أصدر المجلس الانتقالي اليمني إعلانًا دستوريًا محددًا مدة عامين لإقامة دولة الجنوب العربي. جاء في الإعلان الدستوري أن دولة الجنوب العربي دولة مستقلة ذات سيادة بالحدود المتعارف عليها دوليًا لـ”جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” سابقًا، وعاصمتها عدن، وهي جزء من الأمة العربية والإسلامية، لغتها العربية ودينها الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع.
وأشار الإعلان إلى أن النظام السياسي يقوم في دولة الجنوب العربي على مبدأ الفصل بين السلطات، نظام ديمقراطي مدني يقوم ويتأسس على الإرادة الشعبية وسيادة القانون والعدالة والتعددية، والحكم الرشيد، ويحدد الشعب طبيعة النظام السياسي من خلال استفتاء عام بعد المرحلة الانتقالية، وحدد الإعلان مرحلة انتقالية مدتها سنتين يجوز تمديدها فترة لا تزيد عن المدة الأصلية، لإنجاز المهام المنصوص عليها في هذا الإعلان والقوانين الأخرى، بقرار من الهيئة التشريعية الانتقالية، وتهدف إلى تهيئة الظروف والشروط اللازمة لبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم وتتأسس على الإرادة الشعبية وسيادة القانون والحكم الرشيد.

