على مر السنين، كانت هندسة المناخ موضوع نقاشات حادة بين العلماء، حيث يتعلق الأمر بالتلاعب المناخي بشكل متعمد لمواجهة الاحتباس الحراري، ورغم أن بعض الباحثين دعوا لدراستها، إلا أن معظم المجتمع العلمي كان متحفظاً تجاهها بسبب القلق من فعاليتها وما قد تسببه من عواقب غير متوقعة.
في سبتمبر الماضي، نشر أكثر من 40 خبيراً في علوم المناخ ورقة بحثية في دورية Frontiers in Science، وكانت النتيجة واضحة: هناك احتمال ضئيل جداً أن تكون هندسة المناخ الشمسية آمنة، وحذر العلماء من أن رش الهباء الجوي العاكس في طبقة الستراتوسفير قد يغير من أنماط الطقس، مما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة في الشتاء بشمال أوراسيا، بالإضافة إلى تفاقم الاضطرابات المناخية
لطالما تم تجسيد هذه المخاوف في الأفلام مثل “مثقب الثلج”، التي تتناول انخفاضاً كارثياً في درجات الحرارة نتيجة تجربة فاشلة في هندسة المناخ، بينما يتخيل كيم ستانلي روبنسون في روايته “وزارة المستقبل” حكومات تلجأ إلى هذه الهندسة بعد وقوع وفيات جماعية بسبب التغيرات المناخية، ورغم أن الرواية لا تصف الهندسة ككارثية، إلا أنها تحذر من أن استخدام تكنولوجيا غير مفهومة قد يؤدي لنتائج غير متوقعة.
لكن الأمور تغيرت، فمع تدهور التوقعات المناخية، بدأ الكثير من العلماء يرون أن أبحاث هندسة المناخ أصبحت ضرورية، حيث أشار أكثر من 120 عالماً في بيان مضاد إلى ضرورة البحث في هذا المجال، وقد أوجز فيليب دافي، كبير المستشارين العلميين السابق في إدارة بايدن، التحول بالقول إن التخفيف من الانبعاثات وحده لن يكفي لتجنب ارتفاع درجات الحرارة.
تسارع الأحداث في مجال المناخ يطرح تساؤلات ملحة، إذا لم نستطع تقليل الانبعاثات بالسرعة المطلوبة، فما البدائل المتاحة؟

تتضمن هندسة المناخ مجموعة واسعة من التدخلات المحتملة، مثل تعزيز سطوع السحب فوق المحيطات أو زيادة انعكاسية المناطق القطبية، كما أن تكنولوجيا إزالة الكربون تحظى بقبول أكبر، بينما تظل إدارة الإشعاع الشمسي، التي تتضمن حقن جزيئات في الستراتوسفير، الأكثر جدلاً.
الأفكار التي كانت تُعتبر هامشية أصبحت اليوم تحظى بدعم من مؤسسات وأثرياء مثل بيتر ثيل وإيلون ماسك، حيث بدأت شركات ناشئة مثل “ميك صن سيتس” تجارب غير مصرح بها، وبعض النشطاء الذين كانوا مشككين في هندسة المناخ أصبحوا يرون فيها وسيلة للتصدي للتفاوتات الناتجة عن استخدام الوقود الأحفوري.
ومع ذلك، يواجه هذا الاتجاه تحديات سياسية في الولايات المتحدة، حيث يعتقد بعض النقاد أنه يجب التركيز فقط على تقليل الانبعاثات، بينما على الجانب الآخر، هناك من يروج لنظريات مؤامرة تربط الهندسة المناخية بمشاريع حكومية للتحكم في العقول.
البيئة السياسية في الدول النامية تبدو أكثر انفتاحاً على فكرة هندسة المناخ، حيث عبر وزير خارجية غانا عن أهمية أبحاث إدارة الإشعاع الشمسي في بلاده، وفي الصين، رغم أن الأبحاث لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أن هناك إمكانية كبيرة للمتابعة السريعة إذا أعطت الحكومة الأولوية لذلك.
لكن العلماء الذين يعارضون هذه الهندسة يحذرون من أنها قد تعطي أملاً زائفاً، مع وجود مخاطر كبيرة مثل الاضطرابات الجوية والصراعات الجيوسياسية، وتبقى المعضلة الأساسية قائمة، فمع نفاد الوقت، لا نملك المعرفة الكافية لتحديد ما إذا كانت هندسة المناخ جزءاً من استراتيجية مناخية مسؤولة.
السبيل العقلاني الوحيد هو السماح بإجراء أبحاث منهجية حول جدوى هندسة المناخ وسلامتها، من دون هذه الأبحاث، قد نجد أنفسنا في مواجهة أزمات مناخية مع خيارات محدودة وفهم أقل، وهو السيناريو الذي يسعى العلماء لتجنبه.

