مشهد السلطة في اليمن اليوم يبرز تناقضاً مؤلماً، حيث يلوح أربعة أعضاء من مجلس القيادة الرئاسي بإشارات إلى الرياض، بينما يتبع الأربعة الآخرون خطى أبوظبي، والشعب اليمني، الذي يمتلك الأرض والتاريخ، يقف في الخلف بلا قرار أو رأي، بل بلا حتى حق الاعتراض.
اليمنيون لم يعودوا ينتظرون مشروعاً وطنياً أو خطة لبناء دولة، بل صاروا يتطلعون إلى البيانات القادمة من الخارج: ماذا قالت السعودية؟ وماذا قررت الإمارات؟ وكأن السيادة أصبحت مجرد أخبار تُنقل، والقرار الوطني صار خبرًا عاجلاً يُقرأ من وراء الحدود
اليمن، الذي أنهكته الحروب والانقلابات، تحول إلى ساحة صراع نفوذ سعودي–إماراتي، وهذا الصراع لا يخدم اليمن بقدر ما يستنزفه، ولا يبني دولة بل يعمق الانقسامات.
في الزاوية الأخرى، يجلس الحوثي ومحور إيران ببرود، يراقبون تنازع القوى، يحسبون المكاسب، ويستثمرون الخلافات، ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض سواء سياسيًا أو عسكريًا.
الأمر الأكثر إيلامًا هو أن الغياب لم يعد مقتصرًا على الشعب وحده، بل طال النخب السياسية والإعلامية التي كان يُفترض أن تكون صوت اليمن، لكنها تحولت إلى صدى، فبعضهم اختار الاصطفاف مع سكاي نيوز للترويج للإمارات، وآخرون فضلوا العربية لتلميع الموقف السعودي، وفي خضم هذا، ضاعت القضية اليمنية وتوارى الوطن خلف شاشات الاستقطاب.
لم نعد نشاهد مثقفًا يسائل، ولا إعلاميًا يواجه، ولا قائد رأي يصرخ بعبارة كفى، وكأن اليمن لم يعد قضية جامعة بل ملفًا ملحقًا بتفاهمات إقليمية لا تأخذ بعين الاعتبار كلفة الدم اليمني ومعاناة الناس.
أين الشعب اليمني من كل هذا؟ أين صوته وقراره وحقه في أن يكون شريكًا لا متفرجًا؟ الشعب الذي دفع أثمانًا باهظة من أمنه ومعيشته ومستقبل أطفاله، يُطلب منه اليوم أن يصمت وينتظر، وأن يرضى بدور الكومبارس في مسرح تُدار مشاهده من الخارج.
لا دولة تحميه، ولا سلطة تمثله، ولا نخبة تدافع عنه بصدق، اليمن لا يحتاج مزيدًا من الرعاة، بل مشروعًا وطنيًا مستقلاً.
لا يحتاج قنوات تروّج لهذا الطرف أو ذاك، بل خطابًا سيادياً يعيد الاعتبار للقرار اليمني، ولا يحتاج شعبًا ينتظر، بل شعبًا يُستعاد حضوره، وتُستنهض إرادته، وتُصان كرامته.
فالوطن الذي يُدار بلا شعب، مصيره أن يُقسّم، والسياسة التي تُمارس بلا سيادة، نهايتها الارتهان، أما اليمن، إن بقي هكذا، فسيظل السؤال المؤلم: كيف أصبح صاحب الأرض بلا قرار، وبلا دولة، وبلا صوت؟

