لندن- “القدس العربي”:
تظهر غارة سعودية استهدفت شحنة إماراتية في اليمن كيف انتقل الخلاف بين الرياض وأبوظبي من مجرد منافسة هادئة إلى مواجهة علنية، حيث يتداخل فيه الجانب العسكري والاقتصادي والنفوذ الإقليمي. في تقرير للصحافية فيفيان نيريم، يتم استعراض كيف تحولت العلاقة بين أبرز حليفين للولايات المتحدة في الخليج إلى صراع مصالح يمتد من اليمن إلى السودان، مما يهدد بإرباك الأسواق والاستثمارات والمفاوضات الحساسة.
قبل نحو عقد، عندما تولى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان السلطة، كان هناك من يقارن بينه وبين الشيخ محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات. قدم كلاهما نفسيهما كمصلحين بقبضة قوية، وفي عام 2015، تحالفا في التدخل العسكري في اليمن لمواجهة متمردين مدعومين من إيران، ثم اتحدا لاحقاً ضد قطر.
لكن اليوم، تتسع الهوة بينهما، حيث يدفع كل منهما بلده نحو مسار من التنافس في الشرق الأوسط وأفريقيا. في يوم الثلاثاء، تفجرت التوترات بعدما استهدفت غارة سعودية شحنة إماراتية لدى وصولها إلى اليمن، وسط اتهامات بأن الإمارات ترسل أسلحة لجماعة انفصالية. كان هذا الحدث ذروة لخلاف طويل بين شريكين سابقين أصبحا يدعمان أطرافاً متنازعة في اليمن والسودان، ويتبنيان سياسات نفطية مختلفة.
بسبب ثقل السعودية والإمارات كبلدين من كبار مصدّري الطاقة، فإن هذا الانقسام قد يؤثر على الأسواق ويعطل الاستثمارات. بالنسبة للولايات المتحدة، يحمل هذا الانفجار تحديات سياسية، حيث كان وزير الخارجية ماركو روبيو يجري اتصالات مكثفة مع الطرفين. يأتي ذلك في وقت قدمت فيه الدولتان وعوداً كبيرة باستثمارات في الولايات المتحدة، وهما لاعبان رئيسيان يأمل الرئيس ترامب في الحصول على دعمهما لسياساته في الشرق الأوسط.
تقول ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج وشبه الجزيرة العربية في “مجموعة الأزمات الدولية”، إنه لا أحد يريد رؤية أزمة جديدة في الخليج، لذا فإن الجميع مهتمون باحتواء هذا الوضع. لكن الانقسام لا يزال قائماً، حيث انتهج الأمير محمد سياسة خارجية هجومية في بداياته، لكنه اتجه الآن نحو تهدئة الصراعات في المنطقة في سبيل تحقيق أهداف اقتصادية داخلية. في المقابل، أصبحت الإمارات لاعباً إقليمياً طموحاً، حيث ساعدت خلال إدارة ترامب في توقيع اتفاقات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهو ما كان يعد خرقاً لسياسة راسخة في المنطقة.
خلال الأشهر الماضية، واجهت الإمارات انتقادات بسبب دورها المزعوم في السودان، حيث اتُهمت بدعم “قوات الدعم السريع” في الحرب الأهلية. بينما دعمت السعودية الجيش السوداني، واستضافت محادثات سلام بين الأطراف المتنازعة. وفي زيارة إلى الولايات المتحدة، ضغط الأمير محمد على ترامب للمساعدة في التوصل إلى اتفاق سلام في السودان، مما قد يزيد الضغط الدولي على الإمارات.
تسعى الإمارات في السنوات الأخيرة لتوسيع نفوذها باستخدام أدواتها المالية والعسكرية، بينما تركز السعودية على إدارة الأزمات. ووفقاً لأنور قرقاش، المسؤول الإماراتي البارز، فإن الإمارات تعتبر نفسها بلداً مؤثراً في المنطقة، بينما يرى بعض المحللين أن الاختلاف في الرؤى بين القيادتين هو ما يجعل الصدام أمراً حتمياً.
أول الإشارات العلنية للاختلاف بين البلدين ظهرت عام 2019، عندما سحبت الإمارات معظم قواتها من اليمن لكنها دعمت في الوقت نفسه الانفصاليين. بعد ذلك، بدأت المنافسة الاقتصادية تتصاعد، حيث سعت السعودية لتحويل نفسها إلى مركز عالمي للأعمال، مما يشكل تهديداً لدبي.
في ديسمبر، اجتاح الانفصاليون مناطق غنية بالنفط في اليمن، مما دفع السعودية لوصف تحركاتهم بأنها تهديد للأمن. وعندما قصفت السعودية الشحنة الإماراتية، اتهمت الإمارات بالضغط على الانفصاليين، وهو ما نفته الإمارات، لكنهم أعلنوا لاحقاً عن سحب قواتهم من اليمن.
بعد الغارة، بدأ تبادل الانتقادات بين المسؤولين السعوديين والإماراتيين، حيث علق ضاحي خلفان، نائب قائد شرطة دبي، بأن الاتهامات السعودية غير صحيحة، مشيداً بالملك عبدالله السابق. بينما لمح سعوديون إلى أن الإمارات تتحرك بدوافع انتهازية. يأمل البعض أن يسهم ظهور الخلاف في تسريع التوصل إلى حل أو صيغة للتعايش بين البلدين.

