إبراهيم نافع واحد من الأسماء اللامعة في تاريخ الصحافة المصرية والعربية، الكثير قد يختلف معه، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر مكانته كصحفي وإداري ونقابي، والأهم كإنسان. تولّى مسؤولية تحرير جريدة الأهرام ثم رئاسة مجلس إدارتها لفترة تقارب ربع القرن، كما انتُخب نقيبًا للصحفيين في ست دورات متتالية. كتب عن الحب كما كتب عن الاقتصاد والسياسة، ورحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم، الأول من يناير عام 2018.
وُلد إبراهيم نافع في مدينة السويس عام 1934، انتقل إلى القاهرة عندما كان في السابعة عشرة من عمره ليلتحق بكلية الحقوق في جامعة عين شمس. يتذكر عن بداياته قائلًا: نشأت في أسرة متوسطة الحال في السويس، وكنا أحد عشر شقيقًا، أكبرنا أحمد نافع الذي بدأ حياته موظفًا في شركة شل، ثم تنقّل بين عدد من الصحف حتى استقر في «الأهرام» محررًا اقتصاديًا

دراسة الحقوق وشغف الصحافة
يواصل إبراهيم حديثه عن تجربته: أثناء دراستي بكلية الحقوق كنت أزور شقيقي في جريدة «المصري»، وكان هذا فرصة لي للتعرف على الصحفيين ومهنة الصحافة من خلال المناقشات التي كانت تدور أمامي. بعد التخرج، ساعدني شقيقي على العمل مندوبًا دبلوماسيًا بإذاعة القاهرة في قسم الأخبار، ثم عملت مع وكالة رويترز ووكالة أنباء الصين، قبل أن أبدأ مشواري في جريدة «الجمهورية» عام 1958، حيث كان صلاح سالم رئيسًا لمجلس الإدارة. كانت تلك الفترة من أزهى عصور «الجمهورية»، وكنت جزءًا من مجموعة متميزة تتنافس على الانفرادات الصحفية. تبناني الأستاذ كامل الشناوي وألحقني بقسم الاقتصاد، وكان أول مقال لي صفحة كاملة قارنت فيها بين ميزانيات ما قبل الثورة وما بعدها

يقول نافع: أعجب بي الدكتور عبد المنعم القيسوني وزير الاقتصاد، ومنحني عددًا من الانفرادات الصحفية التي كانت تتصدر مانشيتات «الجمهورية»، حتى حصلت على لقب «صاحب المانشيتات». وبفضل الأستاذ محمد حسنين هيكل، انتقلت إلى «الأهرام» عام 1962، لكن نشب خلاف بيني وبين الدكتور عزيز صدقي بسبب مقالاتي، فغادرت الأهرام وسافرت للعمل في العلاقات العامة بالبنك الدولي، متخصصًا في شؤون الشرق الأوسط براتب 30 ألف دولار. لاحقًا، طلبني هيكل للعودة إلى «الأهرام» مع زيادة في الراتب، فعُدت لممارسة عملي حتى عيّنني الرئيس أنور السادات رئيسًا لتحرير الأهرام ثم رئيسًا لمجلس إدارتها عام 1979

ست دورات في نقابة الصحفيين
تولى إبراهيم نافع منصب نقيب الصحفيين ست دورات متتالية بإرادة الجمعية العمومية، وكان من أبرز مواقفه الشجاعة تصديه لإلغاء القانون رقم 93 لسنة 1995، المعروف بقانون «اغتيال الصحافة»، الذي صدر لتقييد حرية الرأي والتعبير. ترأس الاتحاد العام للصحفيين العرب من عام 1996 حتى 2012، قبل أن تتم إقالته من رئاسة مجلس إدارة وتحرير الأهرام في يوليو 2005.
وعن فوزه المتكرر في انتخابات النقابة، يقول إبراهيم نافع: تنافست مع الأستاذين الكبيرين جلال الحمامصي ومحمود المراغي في معارك انتخابية رائعة. كان الحمامصي قامة رفيعة، وكان المراغي قيمة كبيرة وصاحب رأي مسموع، لكن زملائي الصحفيين اختاروني، وكانت تلك من أجمل الذكريات. كنت أحرص في كل انتخابات على أن أبدأ ببيتي أولًا، أي «الأهرام»، وإذا شعرت باقتناع الأهراميين بي، أدركت أنني أمتلك قوة حاسمة في المعركة الانتخابية، ثم أتوجه للحوار مع الزملاء في الصحف الأخرى، عارضًا برنامجي الانتخابي. كانت ثقة الزملاء وصدقهم في تنفيذ ما أعد به، ووقوفي معهم في خندق واحد، هو ما ضمّن لي الفوز في كل هذه الدورات
مؤلفات وبصمات فكرية
ألف إبراهيم نافع العديد من الكتب والدراسات، وترجم معظمها إلى عدة لغات، ونُشر عدد كبير منها ضمن مشروع «مكتبة الأسرة»، من بينها: حوارات للتاريخ مع ملوك ورؤساء الدول والحكومات، الذي حصل على جائزة أفضل كتاب عام 1998، والصين معجزة القرن العشرين، وانفجار سبتمبر بين العولمة والأمركة، وماذا يجري في شرق أوروبا، وجنون الخطر الأخضر، والحاضر المستمر الذي تناول فيه نظرة الغرب إلى أمتنا الإسلامية، وغيرها من المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية
ورغم كل ذلك، فإن كثيرين ممن أبدوا ولاءهم لإبراهيم نافع في حياته، هم أنفسهم الذين انقلبوا عليه بعد مغادرته المناصب. فقد أُقيمت ضده أكثر من ثماني دعاوى قضائية تتهمه بتبديد أموال مؤسسة الأهرام. رحل الأستاذ الكبير، الذي ترك بصمات واضحة في الصحافة وفي وجدان الصحفيين، بعد صراع مع سرطان البنكرياس، عن عمر ناهز 84 عامًا.

