لم تعد الفيديوهات القصيرة التي تصادفها أثناء تصفحك للهاتف مجرد لحظات عابرة، بل أصبحت مسلسلات المايكرو دراما صناعة ضخمة تحقق أرباحًا كبيرة، وقد تضاعفت هذه الأرباح خلال السنوات الخمس الماضية. بينما يتلمس العالم العربي خطواته في هذا المجال، دخلت الولايات المتحدة والصين المنافسة مبكرًا، يتسابقان لجذب المشاهدين الذين باتت شاشات هواتفهم ساحة عرض تلبي فضولهم عبر منصات مثل “الريل” و”يوتيوب شورتس” و”تيك توك”.
تعتمد الدراما العمودية، التي تُعرض في حلقات قصيرة لا تتجاوز بضع دقائق، على قصص مشوقة تجذب الانتباه. الحلقات قد تمتد إلى عشرات الأجزاء، وغالبًا ما لا تحتاج إلى ممثلين معروفين، بل تركز على أداء مبالغ فيه لجذب الفضول من خلال نظرات العين وزوايا تصوير مثيرة، مما يترك المشاهدين في حالة ترقب لما سيحدث بعد ذلك.
الجمهور مضطر للاشتراك في منصات معينة لمعرفة نهاية القصة، حيث تستهدف هذه الدراما المهووسين بالقصص بدلًا من الفيديوهات اليومية، مما يناسب المتعجلين الذين لا يفضلون الانتظار لأسابيع لمتابعة عمل درامي تقليدي، وهذا التغير في أنماط المشاهدة ناجم عن مقاطع الريلز القصيرة التي اجتاحت الساحة.
تسعى الدراما الجديدة لتلبية هذه الحاجة، حيث يقدم البعض محتوى جاهزًا يضم مجموعة متنوعة من القصص، من الساذج إلى الكوميدي والرومانسي، بل وهناك أعمال ذات جودة فنية عالية. يتساءل الكثيرون إن كانت هذه الصناعة ستشكل تهديدًا للدراما التقليدية، مما يستدعي من صانعيها الانتباه لمتابعة المتفرجين الذين يبحثون عن أعمال تلبي فضولهم دون قيود.
صناعة واعدة بمليارات الدولارات
تُعتبر المايكرو دراما النسخة الحديثة من السوب أوبرا، التي كانت تُعرض في التلفزيون وتتميز بطولها المبالغ فيه. المسلسلات القديمة كانت تُعرض حلقاتها بوعود لمفاجآت قادمة، وتتناول قصصًا مثيرة تتعلق بعائلات ثرية أو معاناة الفقراء. المسلسل الأميركي “الضوء الهادئ” هو مثال شهير، حيث عرض حوالي 19 ألف حلقة على مدى عقود. الآن، تشير التوقعات إلى أن عوائد المايكرو دراما في الصين ستتفوق على السينما قريبًا، حيث تصل إلى 7 مليارات دولار سنويًا، بينما تصل أرباحها في الولايات المتحدة إلى مليار دولار، مما يبرز المنافسة بين الدولتين في هذا المجال.
تتوزع حلقات المايكرو دراما عبر منصات متعددة، حيث تتفوق الإنتاجات الآسيوية في الكم والتنوع. في مصر، يحاول بعض الهواة دخول هذا المجال، رغم أن التجارب الحالية لا ترتقي للمستوى المطلوب. لكن، هناك ثلاثة منتجين بارزين أعلنوا عن مشاريع كبيرة ستدخل الدراما العربية عالم المسلسلات العمودية، وقد بدأ البعض التنفيذ بالفعل. مسلسل “يوميات عيلة كواك” هو من أوائل المسلسلات التي اقتحمت هذا المجال، حيث تم تصويره بالكامل بكاميرا هاتف محمول، ويستهدف فئة الشباب بين 9 و24 عامًا، وهي الأكثر استخدامًا للهواتف.
مواهب جديدة وأفكار غير تقليدية
تقول الزهراء عصام، مؤلفة المسلسل، إن الموسم الأول كان يتكون من 260 حلقة قصيرة، وحقق نجاحًا ملحوظًا. هذه التجربة سمحت بتجاوز العديد من العقبات الإنتاجية التي تواجه الدراما التقليدية، مثل الميزانيات الكبيرة وأجور النجوم، مما يتيح تناول أفكار جديدة دون قيود. كما تفتح هذه النوعية من الدراما المجال لمواهب جديدة في الإخراج والكتابة والتصوير.
تؤكد الزهراء أن المايكرو دراما هي المستقبل، حيث تلبي احتياجات المشاهدين الذين ليس لديهم الوقت لمتابعة حلقات طويلة، وتقدم لهم قصصًا مشوقة في وقت أقل. كما أن التقنيات الحديثة تسهل تقديم أفكار متنوعة، مما يتيح إنتاج أعمال تتناول موضوعات مختلفة، بما في ذلك الدراما العائلية، التي تفتقر إليها الساحة العربية حاليًا.
المستقبل لمن؟
يعتبر الممثل والمؤلف محمود حمدان أن الدراما القصيرة تشبه وجبات “التيك أواي”، حيث قد ينجذب البعض إليها، لكن شريحة كبيرة من المشاهدين ستظل متمسكة بالدراما الطويلة. يفسر ذلك بأن الجمهور يميل إلى الارتباط بالحكاية، وهذا لا يتحقق إلا من خلال حلقات طويلة تتصاعد فيها الأحداث بشكل تدريجي.
تشهد تطبيقات المايكرو دراما زيادة كبيرة في عدد المشتركين، حيث وصل عدد مستخدمي منصة “ريل شوت” إلى 55 مليون مشترك. التوقعات تشير إلى أن إيرادات هذه الصناعة في الولايات المتحدة ستقارب 4 مليارات دولار في السنوات القادمة، حيث تعتمد طريقة عرض الحلقات على التشويق والمفاجآت، مما يجذب المشاهدين.
تتسم الأفكار المعروضة بالمبالغة وحبكات سريعة، حيث تدور الأحداث غالبًا حول صراعات بين الأغنياء والفقراء، وقصص الحب المعقدة. تلعب الخوارزميات دورًا كبيرًا في استهداف الجمهور المناسب.
تحديات عربية
تشير الزهراء إلى أن جذب المتابع لا يتوقف على تجاوز الخطوط الحمراء، بل يعتمد على تكنيك السرد والمواضيع الجذابة. المايكرو دراما تعزز فكرة الانعزالية في المشاهدة، حيث تصبح تجربة المتابعة فردية بسبب طبيعة الحلقات القصيرة.
تتسم إنتاجات المايكرو دراما بكونها زهيدة التكلفة، مما يشجع الكثيرين على الدخول في هذا المجال. ومع ذلك، قد تختلف التكاليف في العالم العربي، حيث قد تصل تكلفة المشاريع الجديدة إلى نفس تكلفة المسلسلات الطويلة. هناك مشاريع جديدة قيد التنفيذ، مثل مشروع النجمة سيرين عبد النور، الذي سيكون أول تجربة لها في هذا النوع من الدراما.
يعتقد البعض أن هذه الدراما لن تقضي على التقليدية، بل ستفتح سوقًا جديدة تشجع على الاستثمار وتحسين جودة الإنتاجات.


